صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمل الثقافي

في الزمن المبهر تفرست جياد الثقافة في المكان فانغرست نبتاً معشوشباً قشيباً وتفرعت الخمائل وأرخت ظلالاً وشالاً من المعرفة فجود الإنسان وشيد وعياً متراكماً من فصول النهل والنحل، والغرف من عيون وفنون وأتون ومتون، واستطاعت مؤسسات ثقافية في بلادنا أن تفرد أجنحة رفرفت بألوان وألحان وأشجان في سماء الدنيا وارتفع الصوت عالياً صادحاً مؤذناً بدخول ثقافتنا مرحلة جديدة وزمناً تزهر فيه الأغصان وتورق الأفنان وتزهر السماء بنجوم تلألأت وأسخت عطاء في الضياء والسناء والبهاء والصفاء ،وغرد الذين أبدعوا وبرعوا في رسم اللوحة الإنسانية ملونة بزخارف الحلم، باتقان واتزان وإمعان في ترسيخ الهوية الوطنية، وبعث الإرث الوطني، ليصبح في قامة واستقامة العطاء الحضاري في المجالات الأخرى· ولاريب أن هذه الحركة الدؤوب أيقظت وجدان الكلمة فمنحتها البريق الأنيق وأشعلت أقباساً وإحساساً بأهمية التثاقف الحقيقي وصقل المكان بوشم إبداعي يسهم بشكل جاد ولا حياد في إنجاز معرفي يتماهى والآخر ويعيد صياغة الراهن ويصنع المستقبل الذي يتلاءم مع الطموحات والآمال المعقودة على جيل هو العماد وهو الركن والوتد، والملفت أن هذا الوعد وهذا العهد وهذا المد قد رفع الحجاب عن آخر مستراب وفسح الطريق لقوافل النبض أن تمنح الشريان حيويته وعفويته وقوته في السير قدماً باتجاه التأسيس لقاعدة ثقافية تروم المجد وتدلف في منعطف كل قارعة وفارعة لا تتوقف عند حد ولا تتمهل في مد ، هذا الشلال الثقافي الغامر الساهر، على تلوين الجبين الإنساني ببهجة الحياة وختم الوجود الناهض النابض القابض على جمرة القلق الحليم وصهوة الكلم ونخوة الحُلم ونشوة الانعتاق من صهر مراحل ما بعد الفراغ· هكذا سارت النوق يتبعها عشقها للحياة وحرقة الألم اللذيد، الأمر الذي نحيي الذين نسجوا لنا حرير الحلم ونقشوا محراب الأمل بخير الكلم، مؤسسات ثقافية رعت وشجعت وأبدت سخاء في مد جسور التواصل بين ثقافتنا وثقافة الآخر، وفي مقدمة هذه المؤسسات هيئة الثقافة والتراث في أبوظبي والدائرة الثقافية في الشارقة، ونحن نعتز بهذه الجهود ونفخر، نشعر بالقلق من اقتحام بعض الدوائر الصغيرة هذا الميدان وبعشوائية ونخشى أن يصبح حراكها فقاعات تهيم على السطح ثم تنطفئ عند حواف سذاجتها، نخشى إذا لم تستطع تلك الدوائر، من وضع الأسس، ورسم الاستراتيجية، التي تصب في نفس القناة وتأخذ من نفس الرافد أن تصير عالة على كاهل من يجدون ويكدون ويكدحون ويعملون على وضع النسيج في سياقه الطبيعي، المطلوب هو التنسيق وترتيب الطموحات وألا يصب الماء على أرض بطحاء فيفيض ويغرق ويهرق ويرهق، نريد وعياً بأهمية العمل الثقافي وألا تبادر أي جهة في اقتحام هذا الميدان دون حساب للمضمون قبل الشكل، نريد للحلم أن يكتمل ولكي يكتمل ينبغي ألا يزاحم العمل الجاد بعض الطنين المزعج لأن العمل الثقافي إذا لم يناط لأهله فإنه يصبح كالزبد يذهب جفاء ويضيع في حرمته الجميل ويسطع ويلمع القبيح، نريد للهيئة أن تتجلد بأدوات النجاح وأولها الإنسان، الثقافة فعل بشري ووعي، البشر لا يحتملون الادعاء والافتراء على الحقيقة ، الوعي نتاج خبرة وتراكم عمل جاد وقبل هذا الموهبة، نحن بحاجة إلى تعدد الجهات الثقافية لكن هذا التعدد يجب ألا ينفي وجود الموضوعية في الطرح الثقافي والفهم بأهمية العمل الثقافي·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء