صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

يا حافظ على ذيك الدار.. وأهلها!

التقيت بطلبة وطالبات وبعض المدرسات والموجهين والضيوف في مدارس المرفأ للتحدث معهم في حوارية عن اللغة العربية والقراءة والكتابة والعمل الإعلامي وأمور تخص الحياة الجادة التي نطلبها، ونتمنى أن يكون عليها جيل الغد، مروراً بمناقشة إحدى قصصي المقررة في المنهج التعليمي، وكم يكون الحوار جميلاً وممتعاً حينما يكون بسيطاً، ومع أناس صادقين في مشاعرهم، وتلقائيتهم وأسئلتهم، وكم يكون الأمر مدهشاً حين تكتشف عند بعضهم بذرة تنحو للإبداع والتميز وحب المعرفة، بحيث مرت الساعتان ويزيد، دونما ملل أو رتابة أو مصطلحات المثقفين ذات الكتل الرصاصية، خرجت بعدها بفرح المقاعد الأولى في المدارس الأولى، وبعافية النهار التي تملأ الصدر، وتلك الطهارة التي يكون فيها البدن مغسولاً بالماء والثلج والبَرَد! الطريق إلى المرفأ لم يكن يوماً سهلاً، مريحاً، كانت دونه تحنّ ماكينات سيارات إنجليزية، ودونه تنوخ صعاب الإبل، وتطبع في بحره أخشاب عتيقة، اليوم كم كان قريباً، وغير موحش، فقد تبدلت الصورة عن المرفأ القديم، تلك الصور التي كان يسرّبها لي خالي سعيد بن هادي عن فترة الخمسينيات وبكور الستينيات، حينما كان يلزم مع تسعة من رفاقه من أبوظبي والعين وليوا مركز الشرطة الوحيد الذي كان خالياً حتى من جهاز برقية صالح للإرسال، وخالياً من الماء العذب الذي كان يصلهم إما بحراً أو براً. المرفأ اليوم بلدة مختلفة وجميلة، وما زالت تحمل تلك البساطة والبراءة في أشيائها، بحيث تقدر أن تمشّطها في ساعات قلائل، ولن تقاوم نداءات التطواف والتذكر، تكفي بدائية الأشياء وبداوتها وطيبتها هي التي تقودك إلى أمكنة قريبة من الروح، ويحبها قلبك، بيوت الشعبية التي يظل المواطن ينحت فيها سنوات طوال ليقارب بينها وبين الأولاد القادمين والذين يكبرون على عجل، بقالة هندي بسيط يعرفه الناس ويحبونه، والذي أغرى صديقاً من مدينته ليفتح بجنبه صالون حلاقة يكتظ بالناس أيام الجمع والأعياد فقط، مبنى البنك الصغير الذي تجبره البلدة أن يبقى صغيراً، ولا يتطاول بعنجهية رأس المال على الإنسان، محل منعزل لتبديل إطارات السيارات المعطوبة، محل بواجهة زجاج ورسوم يخص شاباً من المرفأ فكر مبكراً في شراكة لكافتيريا تقدم العصائر والأكلات الخفيفة بمسميات شبابية، وثمة أشياء تنمو في أطراف المدينة التي تتوسع، صالات أفراح، فندق، مول، جمعية تعاونية. بصدق.. رجعت سعيداً من المرفأ، لأنني يمكن أن أنرت فتيلاً صغيراً في ذهن طالب سيغدو مختلفاً في المستقبل أو بصّرت فتاة على نافذة صغيرة ستصبح طاقة من نور لمستقبلها، وعدت خفيفاً أحمل معي أشياء كثيرة خزّنتها في الصدر والذاكرة، فياحافظ على المرفأ، ويا حافظ على أهلها!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء