صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

غزة تحترق (2)

يكاد المريب يقول خذوني·· هذا حال أعرابنا، فالمناوشات تسير على قدم وساق، والمؤامرات تُـحاك من كل صوب وحدب·· نقول: من حق إيران أن تلغ في المياه العكرة، ومن حق إسرائيل أن تفتك، ومن حق أي دولة أن تضع أقدامها في مياهنا الضحلة وتمارس وجودها، وتفرد عضلاتها، ولا نستبعد أن تأتي دولة من أميركا اللاتينية غداً وتحرك من تريد أن تحرك، وتتحرك بحرية على ساحة أصبحت مفتوحة للقاصي والداني، لأن أهل الدار تغيّبوا عن الدرس، ولم يحضر منهم أحد، ولأن أهل الدار لا زالوا يفككون طلاسم الخلافات وينسجون خيوط الأعذار، ويحبكون الحجج، ويدمجون الموقف بالموقف، لتصبح المواقف بلا خطوط واضحة تبين أين موقعنا نحن من القضية· عدنا للحديث عن المؤامرات والمداخلات، التي تدخلنا في دائرة الشك في أنفسنا، فتآمرنا على ذواتنا وأوطاننا، وتخرجنا بامتياز من جامعة، أنا أشك إذاً أنا متوجس، إذاً أنا متردد، إذاً أنا بلا دور ولا قضية·· عدنا من جديد، نفتح الطريق واسعاً أمام الآخر، ليحدد لنا المصير، وليفرش الحصير على قاعدة أن الأرض لمن يمتلك التأثير في توجيه البوصلة تجاه مصالحه·· فما تفعله إيران قد تفعله غداً نيكاراجوا، أو التشيك، أو غيرها من البلدان القاصية، والأمر وارد جداً، حين لا يملك صاحب الحق، الحق في تحديد الهوية والرؤية الواضحة والسير على أرض بطحاء، تبين له ملامح القضية وجوهرها·· سنبقى هكذا نتهم ولا نلتئم، نكظم ولا نلجم، نحجم ولا نقدم، نصوم ولا نتفوّه بكلمة تقول للمعتدي لا، وتقول للمتطفل لا، وتقول للمتحامل لا، وتقول للمجامل لا·· فيجب ألا نختزن الصراحة في قلوبنا، ونفصح عن المبطن من مشاعرنا، ونعترف بأن عالم اليوم عالم القوي، والمتمكن، فلا الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا العالم أجمع مُدان، مهما صمت وداهن العدو·· بل إن الإدانة موجهة بشكل صريح وواضح إلى قوم صاروا طرائق قدداً وفصائل، وبدوا متوسلين مستغيثين بكائنات فضائية، تنزل من السماوات العلا، لتحل معضلة العدوان·· ولا حل·· لا حل إلا القوة لانتزاع الحق·· فالعالم لا يستمع إلا طرقات الأخف الثقيلة، ونحن حفاة الآن، عراة الآن، تقودنا العواطف ويغسل همنا الدمع، ويطهر أبداننا الصراخ ويسكن أوجاعنا الاتكال على قوى تأتي من هنا أو هناك، وكلها تتحرك بدافع المصالح لا غير، متذرعة بالشعارات والبهارات التي لا تغيب أبداً عن ذهن أي عاقل رشيد·· نعم ستلعب القوى الإقليمية دورها، وسوف تدحرج كرة النار، بكل ما أوتيت من قوة وحيلة، وسوف تخوض في فراغنا، وترقص وتعزف على وتر خلافنا، وضعفنا وويلنا وثبورنا·· وسوف تذهب احتجاجاتنا أدراج الرياح، لأن ما نقوله وما نفعله ما هو إلا زبد يذهب جفاء أمام التحركات الجدية التي تقوم بها القوى الإقليمية المضادة لقضيتنا في الاتجاه، وسوف تعبث هذه القوى وتتحايل على القيم والقوانين، لأنها تعرف جيداً أننا نئن كثيراً من الألم، لكننا لا نطلب العلاج الذي يبتر الداء·· وسوف تزداد آلامنا، طالما تضخمت خلافاتنا، وتورمت ذواتنا، واحتقنت قلوبنا بالأحقاد على بعضنا·· وسوف نُؤكل يوم أُكل الثور الأبيض·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء