صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

سلام من القلب

كلما عادت الذاكرة، وقدمت أجمل ما فيها، كتحية إلى القلب، إلى الروح، إلى العيون، يتهادى بلطف سحر الطفولة وشقاوتها، اللعب الجميل في الحواري، شغف البحر، والسيف الذي انتصبت عليه قلاع مشيدة بأنامل صغيرة، وضحكات الطفولة حين يعزف لها موج البحر لحنه الخاص، الليالي المقمرة بوداعة القصص القديمة، حين تحكي الجدات وتقص الخراريف. للنهار سلام من القلب، النهار الذي يأتي مع بواكير الصباح، الفجر العذب الذي يشق الدجى مقدماً روح اليوم إلى قلوب الأطفال، إلى وجوه الأولاد، وإلى الصيادين في طريقهم إلى البحر، حيث الأمل يخالج أرواحهم، وأمنياتهم تناجي الشمس، إلى الأمهات وهن يعددن اليوم بكأس الحليب وفنجان القهوة والخبز الساخن. يردد الفجر النشيد القديم المتجدد دائماً، حيث يتفتح الورد، ويتنفس الشجر روح النهار، وتنتفض الأوراق من حبات الندى، ويداعب الموج الشاطئ، وتتراقص الفراشات مع الخيوط الفضية المنسابة من السماء، ويتنهد المحبين فرحاً بيوم جديد من الحب. للذاكرة الجميلة سلام وألف سلام حين تعيد المشاهد التي أحببنا، والقصص التي داعبت أجمل ما فينا بلطف وجمال عالٍ.. قلوبنا وأرواحنا. فكلما انتشل الزمن منا لحظات الواقع بفرحها وحزنها، بجنونها وعقلانيتها، تسعفنا الذاكرة في لحظة الشدة، وفي لحظة الشوق المفتوح إلى آخره بلا أن يتحقق له الإرتواء، تأتي لتقدم لنا أجمل ما في الأشخاص الذين أحببناهم، والأحداث التي عشنا.. تقدم جمال الذين غادروا حياتنا، كل أشيائهم التي ضحكنا عليها، وسيرتنا معهم في الأفق المفتوح لحياتنا، والحزن على غيابه تسعفه الذاكرة بالتفاصيل والصور الراسخة بكل بريقها. والأحبة الذين شغف بهم القلب في مسيرة الزمن، تغيب قسوتهم، وتغيب مراوغاتهم، تنتفي بعد أن تتبخر كل المشاعر الجميلة والسيئة، ولا يتبقى سوى ذاكرة جميلة تعودنا في لحظات الصفاء العالية، ونرى جمالهم، وهو يتجسد في صورة نقية، نرى عيونهم الجميلة التي فتنا بها، نرى حروفهم، وهي تنطق في كلمات كأنها لحناً يأتي من بهاء الطبيعة، نسمع الأغاني التي رددناها سوية، ونحس بتشابك أصابعنا، حيث يتسرب إلى أرواحنا الرحيق الفاتن من اليوم.. يأتي كل جمالهم الذي يبقى، ونحمله معنا من دون أذية أو ذنب أو لوم، فقط هكذا منتشين بأيام وأشهر وسنين قد مرت، ماسحين عنها كل الأخطاء، لنحدق فيها كتحفة فنية من الكرستال أو من الألماس أو من الماء. هكذا تفعل الذاكرة حين يصفو التفكير والقلب، وحين تصفو الروح، وتهذب النفس، أنها تعود جديدة خالية من كل الشوائب، ذاكرة تؤكد الإنسان في أوج نوره، وانطلاقة روحه نحو الجمال، ولمسه ورؤيته متحققاً على الدوام. وفي هذا العام الجديد الذي لم يطو أسبوعه الأول بعد، نقدم سلاماً من القلب لكل الجميلين الذين تسمو أرواحهم على الصغائر، لكل الذين ينقون ذاكرتهم كي تحتفظ بالجميل فقط من الأيام والأصدقاء والأحبة، وحتى من الأحداث العابرة، لكل أصحاب القلوب الكبيرة، والعقول المفتوحة على الحياة وجمالها، والسلوك الذي يأتي راقياً دائماً.. لهم سلام من القلب. saadjumah@hotmail.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء