يرحل كثيرون عنا بهدوء، دون أثر، فقد عاشوا لأنفسهم وأزواجهم، وأبنائهم وفي ذلك رسالة طيبة إن اقترنت حياتهم بأداء الفرائض والواجبات والحقوق· ولكن العملة النادرة من الراحلين، تتمثل في أولئك الذين عاشوا رحلة الكفاح والنضال وحسن الخلق وتميز الأداء، أولئك الذين قبضوا على جمر الشظف في العيش، والعسرة في الزوادة، والدرب الصعب في نهل العلم والمعرفة، غايتهم التميز وخدمة الأوطان· عاشوا لأوطانهم وماتوا لأوطانهم، وبادلوا شعوبهم حبا بحب، وانتماء عميقاً وتضحيات بالغالي وما يصعب على النفس، هؤلاء نختصر أسماءهم باسم: سيف سعيد غباش، كان شخصاً هادئاً، ومهندساً كبيراً، ومفكراً نيراً ورجلاً وحدوياً من الطراز الذي وجد فيه زايد الخير يرحمه الله، وبواسطة مستشاره الأمين أحمد خليفة السويدي، شاباً اتحادياً، دؤوب الجهد والعطاء، عميق الانتماء والولاء، يعتمد عليه في بناء الدولة الاتحادية، فتولى منصب أول وكيل لوزارة الخارجية في أول وزارة اتحادية، وكان قد بلغ الـ 40 من عمره، ثم أصبح وزير دولة للشؤون الخارجية، حيث ولد في 21 أكتوبر 1932 في المعيريض برأس الخيمة، توفي والده وهو صغير، ولحقته والدته بعد شهور، انتقل للعيش مع عمته في دبي حيث درس بالمدرسة الأحمدية، وأكمل دراسته الثانوية بالبحرين عام 1949 وحصل على المركز الأول فيها· انفتح على العمل السياسي القومي، وساهم في تأسيس نادي العروبة، ثم توجه عام 1953 الى العراق لدراسة الهندسة، وعمل لفترة بالكويت، ثم بدأ رحلة الاغتراب إلى النمسا عام 1959 وأتقن الألمانية، ثم سويسرا وألمانيا، كان يدرس ويعمل، وزار إيطاليا وتعلم لغتها، ومنها إلى باريس عام ،1963 لكن رحلته الحقيقية مع العلم كانت في روسيا حيث حصل على شهادة الماجستير في الهندسة المدنية من جامعة ليننغراد، تخصص بناء الموانيء البحرية· عاد عام 1968 الى رأس الخيمة بعد عشرين عاماً من مشوار العلم والمعرفة وتعلم اللغات ليخدم وطنه، وعين رئيساً لقسم الهندسة في بلدية رأس الخيمة، ساهم في المباحثات المبكرة للاتحاد، واختاره عرّاف الرجال أحمد خليفة السويدي لمنصب وكيل وزارة الخارجية، فكان له أكبر الأثر في تأسيس الوزارة، وتنفيذ توجيهات رئيس الدولة، وتوجهات الإمارات برسم سياسة معتدلة متوازنة عبر عنها الشهيد أيما تعبير في خطابه الشهير بالأمم المتحدة بتاريخ 25 أكتوبر 1977 (أي قبل يوم واحد فقط من استشهاده) وعاد على عجل الى أبوظبي ليكون في استقبال عبد الحليم خدام وزير الخارجية السوري آنذاك، ولم يكن يعلم أنه سيكون ضحية العملية الارهابية التي استهدفت بالأصل الوزير خدام كجزء من شرارات الدخول العسكري السوري للبنان والحرب الأهلية اللبنانية، كما يقول الكاتب باتريك سيل في كتابه الشهير ''بندقية للإيجار'' حيث اشتبه الأمر على الجاني فأصابت رصاصاته الغادرة من وزيرنا الشاب مقتلا، في حين أرجع آخرون أن العملية مستهدفة، ونفذت بأيدي التناقضات الفلسطينية - الفلسطينية، وأن القاتل الفلسطيني المستأجر لا يمكن أن يكون غير محترف، ولا يمكن إلا أن يعرف هدفه جيداً، والدليل كم الرصاصات التي استقرت في جسد الشهيد، لتخسر الإمارات والأمة العربية واحداً من رجالاتها الأفذاذ ومناضليها الحقيقيين، وفارساً من فرسان التضامن العربي الخلاق، وطالباً للعلم والمعرفة والثقافة، ومثالاً عربياً يحتذى·ولنا في ذكراه العطرة دليلا على الطريق التي كان فيها زايد الخير يرحمه الله يختار رجالات الدولة، وقد علق سموه على هذا الحادث، فقال: ''إن الخسارة التي أصابتنا في الواقع خسارتان: الأولى بالفقيد لما عرف عنه من أخلاق وكفاءة وعلم وحسن تصرف حتى أضحى مثالا للرجل المسؤول في دولتنا''· والخسارة الثانية أصابت سمعة العرب في الصميم أمام شعبهم وشعوب العالم بسبب هذه الجريمة الوحشية النكراء، إنني أفهم أن يموت الفقيد وهو بهذه الصفات الحميدة ميتة طبيعية·· أما أن يموت بهذه الطريقة وبيد عربية، فهذا عار كبير، أما العار الأكبر فهو أن دولة الامارات لم تكن في حياتها إلا داعية للخير ولتضامن العرب ولا يُقبل أن تجازى على سياستها بهذه الطريقة الجاحدة·