صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

متحف الأولمبياد في "لوزان"

علي أبو الريش

على مسافة عدة أمتار من فندق ريفاج بالاس، يقبع متحف الأولمبياد يطوقه جدار زجاجي فوق مرتفع جبلي خفيض، عندما تصعد الدرجات الرخامية، تشعر وكأنك تتسلق الهواء، والدخان الشتوي ينفث بخاره من فمك، وتبدو في هذا المكان كأنك قطار بخاري يعبر نفق السفر البعيد إلى مرافئ الأحلام التاريخية.
بين الشرائح الزجاجية يبدو العالم الرياضي مكتنزاً بإرث القارات، تفتش عن اسم عربي بين المناظر والصور، والمشاهد المتألقة بإنجازات العالم وإبداعاته الرياضية فلا تجد، وعلى الرغم من انبهارك بأناقة المعروضات، ولباقة التنظيم، وحضور الوجوه اللافتة، إلا أن غياب العرب في هذه المحافل يصيبك بالألم والحزن، وتحتاج إلى مسعف معنوي يرفع من قوتك الذهنية، كي تنسى لحظة القنوط، وتعود ثانية بعد سطوة الإحباط، ولكنك لا تستطيع، لأنك مهما جاهدت كي تنسجم مع تلك المنجزات المشعة، وتفرح لهذا الآخر الجميل، فإنك عندما لا تجد حضوراً للعرب، فلا بد وأن تحضر أنانيتك، وتشعر بحالة من الغيرة تنتابك في لحظة البحث عن ذاتك، في هذا الخضم الضخم من التواجد الإنساني في مكان يحتفى فيه، بما قدمته شعوب العالم في ميدان مهم، ويعبر عن شموخ العقل الرياضي، وعن ظفر بنتائج تدل على أن العالم لا يهمل، ولا يسهو عن كل ما يجعل الوجدان بستان جمال وكمال وتفوق وفوز.
كنت في ردهات المتحف تتجول، وكأنك تبحث عن شيء ما، ولما لا تجد للعربات ما يبهج الوجدان، تكتشف أن عقلك الباطن كان يقودك إلى رغبة داخلية، للعثور إلى اسم بطل عربي له بصمة في هذا العالم المدهش، والأمنيات كثر، ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه، كاميرا التصوير بين يديك، هي كذلك أصابتها الأنانية بمقتل، ولم تعد لديك الحماسة في التقاط الصور، وتحاول أن تقمع هذه الأنانية التي داهمتك، ولكن دون جدوى، لأن الدماء التي تجري في عروقك تغيّر مجراها، وتجنح إلى الدوران العكسي، فتخرج من المكان، وتقف على المرتفع الخارجي المصقول، وتخشى أن تفرط قدماك وتقع في المنحدر من شديد الصدمة، وربما الشعور بالانكسار، لأنك لم تجد ضالتك، لم تجد في هذا الكم الهائل من الحضور العالمي مكاناً للعرب، لا بقعة ضوء تشير إلى أن هناك في زاوية قصيّة توجد شمعة عربية، تتلألأ معبّرة عن إنجاز، ولو على سبيل المثال، الفوز بميدالية خشبية.
لا شيء للأسف، لا شيء يجبر الخاطر ولو بقطعة حديد. تخرج من المتحف محملاً بمشاهد رائعة لآخر تحب أن تكون مثله.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء