صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر -1

ناصر الظاهري

رغم أن هذه الرحلة بلا تذكرة، ولا تحتاج لتذكرة أصلاً، فالتذاكر طبعت لغيرها من طائرات الشحن الجوي، لكنها من التجارب الاستثنائية التي لا تتكرر، ولا أعتقد أنها ستتكرر، فكرة.. أن تستقل لوحدك طائرة خاصة، ليس فيها إلا «الكابتن»، ومساعده الذي يعتقد دائماً أنه أفهم من الكابتن، خاصة بعد تقدمه قليلاً في العمر، ومضيفة، وحضرة «الباشا»، و«الباشا» هذه من عندي، لأنني حاولت أن أصف حالي، فلم ألق إلا هذه الكلمة التي استعرتها من السينما المصرية، حين تحتار بماذا تصف شخصاً في تلك اللحظة التي تعتقد فيها أنه مهم، ولا تدري عنه شيئاً، وقائمة طعام تشبع عشرة أنفار، من المطاعم الموصى بها، وربما تحمل الشوكة الذهبية في فترة من الفترات، والوجهة كانت إيطاليا «نابولي».
الصدفة وحدها من جعلت الذي اعتاد السفر على ناقلات وطنية يرثى لها، الأفريقية التي توصلك لجهة غير متفق عليها، والرومانية المختصة بشحن اللحوم والذبائح المجمدة، وناقلات تابعة لجمهوريات مستقلة، كل الذي ربحته من الاستقلال، تحويل طائرات الشحن العسكرية لطائرات مدنية، ظلت فرحة بها طويلاً، أقول الصدفة وحدها، وليس مالاً فائضاً، ولا تغيراً في الحال، جعلتني أشعر لأول مرة بمعنى لكلمة «حضرة الباشا»، شعرت أن لا ضرورة لرفيق سفر، يبدو عليه الأسف من دفع ثمن تذكرته السياحية، ويريد أن يُظهّرها من جليسه بادعائه الكثير من الأمور، ولأول مرة افتقدت رصّة الكراسي التي في «الكَرّيَلّ»، وافتقدت معها ذلك المسافر الذي يظل «يلجزك» بكوعه في خاصرتك، وافتقدت بعض النفر من المسافرين الذين لا يقرون في مكان، وكل حين وساعة، يتعلث بالذهاب إلى الحمام، وهو ناشف، ما عنده قدر الفنجان، بس يحب يُعثّر المسافر الذي جنبه، فتقترح تبادل الكراسي ما دام فيه «طرقه»، فتجلس أنت جنب النافذة التي تحبها، والتي بقيت تحسده عليها، فيبتسم، ويقول: لا.. أحب التمتع بمشاهدة المناظر، فتتمتم: طيب.. اجلس على بيصك، وتمتع بالمناظر!
تشوفون نسيت الطائرة الخاصة، ورديت للحديث عن طائرات «أم أحمد»، المهم أول شيء قالته المضيفة، بوجهها البشوش، وتلك الابتسامة التي تدربت عليها طويلاً، لتحظى بتلك المكانة في طائرة هكذا: تحب أن تجلس في أي مقعد.. أيها السيد، فضحكت، وكدت أجلس في أول مقعد، فخفت أن يكون من الكراسي التي تخصص لجلوس المضيفات، فأشعرها أنني أول مرة أستقل طائرة خاصة، استجمعت ثقتي بنفسي، وبقيت واقفاً أحادثها في موضوع غير مهم، وعيني تدور على كرسي، عادة ما يجلس عليه القوم الذين يعرفون مثل هذه الطائرة، كغرفة صغيرة في منازلهم، وما ساعدني على اتخاذ مثل هذا القرار بهذه السرعة، كونه أول قرار يجب اتخاذه بحزم، لتسير الأمور فيما بعد بشكل طبيعي، ولا تربك طاقم الطائرة، وغداً نكمل..

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء