صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

ترابها مسك وكافور وزعفران - 2

لايمكن للقاهرة أن تتنفس عافية دون أن تكون رئة الإسكندرية هي الثانية، لذا تكنّ المحروسة للإسكندرية هوى من نوع آخر، شيئاً من تبجيل الكبار، شيئاً من حكمة من عاصر التاريخ وغبار خيوله ومداد حبره، شيئاً يخص البحر ويخص جسوره الكثيرة، غير أن ميزة المدن الكبيرة أنها تلقي بثقلها عليك، وثقل أختها، كحال القاهرة والأسكندرية، فلا ينبغي أن تكون في القاهرة ولا تتحمل ثقلها التاريخي والفكري والفني والسياسي، ولا يمكن إلا أن تكون الأسكندرية حاضرة معها، هكذا هي المدن التي تشبه الأم أو تشبه العمة في حين من الأوقات، تجدها بعد الغياب تخبئ لك كتاباً، أو تدلّك على مكان لم يعرفه العابرون بعمق أو تأخذ عقلك إلى مناطق الأسئلة الحياتية الملحّة أو تحفظ لك خلاصتها من الأشياء، أو تقول لك: قف! هنا بكى فنان رسام، وهنا كان الشاعر صادقاً حتى الوجع.. وهنا وقف سياسي مع لقمة الناس، وهنا مرّ نبي، هنا فتحت المدينة أبوابها وقلبها لك تاركة لك حرية الدخول بحجمك وغطرسة معرفتك، أنت المثقل بكل شيء، هنا حملت نعش صديق صدوق لك وللمدينة المخلصة، وهنا ودعت غريباً، وهنا التقيت بجميل، وهنا كانت مقبرة المجنحين إلى الأذى! لماذا تحضك بعض المدن على الكتابة وعلى الأسئلة؟ لماذا تجعلك بعض المدن تخفف من أحمالك وتلبسك أسمالها؟ ترفعك إلى مقام أسيادها وحضرة أوليائها، تحملك أوزار حبها وتعب عشقها، غاية المدن الجليلة ألا تسمح لك بالعبور هكذا.. تذهب إليها قاصداً فرحها وألقها، وتكون هي حاضرة بكل أرقها ووجعها وبكل الذكريات التي استودعتك إياها في لحظة اللقاءات الكثيرة والسريعة. يلتقيك أهلها فلا يعرفون كم أنت كلف بها وشغف بها، وكم كانت مسافرة في الرأس كل هذا الوقت، وكم كنت غارقاً فيها ومغرماً بها، لا تتساوى الأشياء ولا يتساوى أهلها فالروح غير عودة الروح، وكل هذه الثرثرة حملها نهرها وطمي نيلها وفصاحة فلاحها، كانت تسقي وأرضها عطشى، تمنح وبهية تشقى، كانت الدفء والملاذ حين تضيق الأرض بما رحبت على بعض العباد، كانت عيناً من سهاد وعيناً على البلاد. شمسها ونورها ودين أهلها ودم ابنها.. كلها قلائد في العنق وأساور في اليد، وبعد كل هذا، كيف تقدر؟ وكيف يمكن أن تنسى؟ عادة المدن كتلك أنها تلقي على زائرها فيوض المعرفة وفيء المحبة، فلا تستطيع أن ترد الدين ولا يكفي المعروف.. غير أن تنذر كل هذا الحب لها، وتحفظ الجميل كوشاح أخضر قد تعصب به رأسك يوماً كذكرى لمدينة غالية علمتك شيئاً، وألقت بثقلها عليك مرة متعشمة فيك هيبة الرجال ونبل الفرسان وعز العرب، وبقيت أنت صوفياً دنفاً على حافة الوجد لها. ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء