صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

حين لامست إطارات الطائرة أرض مطار بيروت، كانت تلك الدمعة الحزينة المختبئة في مقلة العين، قد انسابت وأخذت طريقها فوق الخدين، معبرة عن حزن عميق في قلبي·· فهذه هي المرة الثانية التي أسافر فيها إلى بيروت في أقل من عامين، وفي المرتين كان واجب تقديم العزاء هو الذي يسحبني إلى تلك المدينة الحزينة·· في المرة الأولى كنت في بيروت لحضور تشييع جنازة زميل لنا اختطفه الموت من بيننا·· وهذه المرة لتقديم العزاء والمواساة بفقدان عربي يصعب تكراره في هذا الزمن الرديء·· الشهيد رفيق الحريري·
قبل أن تحط الطائرة فوق أرض المطار، كان منظر العمارات الشاهقة والمجمعات التجارية والسكنية التي تحتضن عمق سماء المدينة تشع باسم الشهيد الراحل رفيق الحريري الذي ساهم في بناء الجزء الأكبر منها في الفترة التي وضعت فيها الحرب الأهلية اللبنانية أوزارها·· كانت كل طوبة في تلك الأبراج تحكي قصة كفاح لهذا الرجل الذي سيفيق اللبنانيون في يوم من الأيام على حقيقة فقدانه·· ولكن بعد فوات الأوان··
كانت شوارع بيروت مقفرة، تئن من الألم والبكاء، وكان كل جدار يزمجر بالغضب·· وكل حارة تنطق بالغضب·· وكل حبة رمل وزهرة ووردة وتلة وهضبة تصيح صيحة الغضب·· كانت أشجار الأرز حزينة منكسرة·· وكانت الأزهار منكسرة، والجداول صامتة، والعيون تملؤها الدموع·· كانت بيروت تبكي، وكنت أحتضن نسائمها فأشعر بأن البكاء لا يغني عن غياب الفقيد·· فليس لنا بعد ذلك إلا أن نقول حسبنا الله ونعم الوكيل·
كانت بيروت مشحونة، وشعب لبنان هائما على وجهه، تشتعل عاصمته الجميلة بيروت بغضب عارم، ولكنه غضب لا يخفي الانكسار على فقدانه وخسارته رجلا من طراز رفيق الحريري··
بالأمس كانت تلك الجماهير ملتفة حول نعوش الحريري ومرافقيه، واليوم أرى بيروت وقد لفتها عباءة الحزن، فصارت كاليتيم الذي أصبح في مهب الريح قبل أن يرتد إليه طرفه·· كنت أنظر إلى كل زاوية في شوارع بيروت وحاراتها وأزقتها، لا أجد سوى القهر والسخط والنقمة والاحتقان·· وفقدان البوصلة في الطريق إلى الغد·
تحركت بنا سيارات الموكب إلى منزل عائلة الشهيد رفيق الحريري·· فكانت الأحزان بحجم هذا الكون·· وكانت نبرة الأسى على فقدانه تتلبس النفوس الحائرة·· هذه الجماهير المندفعة اليوم، والهاتفة لشعارات ملؤها الغضب العارم على رحيل ابن بيروت البار، انعكاس لهتافات شعبية في الماضي الدفين، كانت بيروت تصرخ بها بأعلى صوتها·· ولكن هتافات الماضي كانت مختلفة·· فلطالما هتف اللبنانيون لفلسطين الثورة، ولمصر عبدالناصر، وثورة الجزائر·· وللأمة العربية الواحدة·· ذات الرسالة الخالدة·· أما اليوم فإن هتافاتهم تعبير عن غضب فقدان واحد من أعز أبنائها··
الإمارات حكومة وشعبا حزينة يا لبنان الحب·· يا بيروت الثورة والعنفوان·· إنا لله وإنا إليه راجعون·
بيروت - عبدالله رشيد

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء