لا أدري إن كان لوالدة كل من عالم الفيزياء العبقري اينشتاين والعبقري دارون تأثير مباشر في عبقريتيهما الفذتين أم لا، لكنني أعلم أنهما وبعد وفاتهما بسنوات طويلة لازال العالم يحتفظ بدماغيهما محفوظين في مراكز أبحاث خاصة لإجراء المزيد من الأبحاث عليهما لمعرفة سر العبقرية غير الطبيعية التي تميزا بها والتي أفرزت علماً ونظريات واكتشافات قل نظيرها، حيث يعتبر دماغ هاذين العالمين – حسب المعلومات المتوافرة – هما الوحيدان المحفوظان بشكلهما الحقيقي حتى اليوم. نتحدث عن تأثير الأم لأن بعض الدراسات في الولايات المتحدة أظهرت مؤخراً أنه لا يشترط وجود الأم في حياة المبدع أو العبقري، فبإمكان الإنسان أن يصير عبقرياً في ظل عدم وجود أم، بمعنى أن العبقرية معادلة أخرى خارج نطاق الجاذبية الاجتماعية والأخلاقية والتربوية، هي مزيج أو مركب شديد التعقيد ليست الأم عنصراً رئيسياً فيه، هذا بحسب الدراسة الأميركية، والتي يحق لنا أن نتقبل نتائجها بشيء من التحفظ بعض الشيء. حين سألني أحد الأخوة الصحفيين عن هذه القضية، كان لي رأي خاص، مع ذلك فنحن لا نقلل من أهمية الدراسة والأبحاث والتجارب التي تقود في نهاية الأمر لتأكيد فرضيات الباحثين وتستغرق عادة زمناً طويلاً، قد يمتد أحياناً لسنوات يقضيها العلماء في تسجيل الملاحظات وإجراء التجارب وتقييم المبحوثين وتغيير مجتمع ومكان وزمان البحث ليصلوا في النهاية لنتائج معينة، مع ذلك فنحن نقول قد تنطبق نتائج معينة على مجتمعات وقد لا تنطبق على مجتمعات أخرى، وقد تكون النسبية أمراً مهماً في المسألة أيضاً!! إن للأم تأثيراً واضحاً ومهماً في تكوين شخصية الطفل أي طفل قبل أن يتحول إلى مبدع وقبل أن تتفجر عبقريته، ألم يقولوا إن وراء كل عظيم امرأة أكثر عظمة منه، إذن فكيف يمكننا إغفال تأثير الأم باعتبارها الكائن والإنسان الأول الذي يتلامس معه الطفل ويتكون فيه ومنه، كيف يمكن أن يتربى طفل كالصفحة البيضاء تماماً على يدي أم تكتب في صفحاته أول حروف الأبجدية، أبجدية الحرف،الكلام ،السلوك ،المشاعر ، الملامح، المزاج، الأخلاق.. كيف يمكن أن يشب هذا الإنسان مبدعاً فيما بعد معتقداً أن عبقريته جاءت من النافذة مثلا ؟ يقال إن عباس محمود العقاد أحد المبدعين العرب الذين يؤكدون هذه النظرية، فقد شب وكبر وتفجرت عبقريته في ظل عدم وجود أم بعد أن نشأ يتيماً، لكن كم مبدعاً آخر مثل العقاد نشأ يتيماً في عالمنا أو في العالم بشكل عام ؟ إن العقاد مبدع حقيقي لكن لكل قاعدة شواذ فالعقاد وآخر ورابع وعاشر ربما يعتبرون شواذ القاعدة وليسوا صلب القاعدة، لكن في مقابل العقاد وزملائه هناك قافلة من العباقرة والمبدعين كان للأم تأثير مباشر في شخصياتهم سواء كان ذلك سلباً أو إيجاباً، فالأم أو المرأة تحديداً كائن شديد التأثير على الرجل : أبناً أو زوجاً، وهي شاءت أم أبت، بشكل إيجابي أو سلبي تلعب دوراً مؤثراً في توجيه عبقريته إن كان عبقرياً أو تفجيرها ان لم يكن يدري عنها شيئاً، لذلك يقال إن سر عبقرية سقراط كانت زوجته سيئة الأخلاق والتي كانت لشدة مناكفتها له وتضييقها الخناق عليه كان يفر هارباً الى دروسه وطلابه وكتبه ليتنفس هواءً آخر بعيداً عنها، لكن الإنسانية كلها فيما بعد تنفست إبداع سقراط على مر الزمن !!