صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

درس البحر

تتحدث لنا الطبيعة في كل لحظة حتى من وراء النوافذ والزجاج العازل في المكاتب والسيارات والبيوت المغلقة بإحكام. وصوت الطبيعة يظل على الدوام مرفوعا وعاليا وواضحا كل الوضوح، لكننا لا نسمعه ولا نراه بسبب انغلاق قلوبنا التي أدمنت التحديق في الأسفلت والرخام وصارت تفتش عن الجمال في مباني الإسمنت ومداخل السيراميك ومنعرجات الجسور أو في شاشات الوهم المنصوبة أمام وجوهنا طوال اليوم. ومع انشغال الناس في اليوميات والروتين، بالكاد يلتفت أحد إلى البحر أو يقضي ساعة يراقب طيوره البيضاء وهي تتمايل بأجنحة الحرية فوق الزرقة الساحرة وتحلق في دوران الشمس وقت الغروب عندما تنعكس الظلال البرتقالية على صفحات الماء المتقلبة والمتلاشية في موجها الناعم. وطبيعة البحر أنه يتحدث لنا باستمرار، حيث يتغير صوته كلما اشتدت الريح ويتبدل لونه بدرجات الأزرق كلما ابتعد في المدى. ودرس البحر يصلح أن يكون درسا في معاني الحياة، فالموجة رمز للإنسان الذي يصل إلى نهاية مسراه ويموت، ولكن من موته يولد غيره في حركة مستمرة تشبه تناسخ وتناسل البشر.
ومن درس البحر، أن حياتنا في مد وجزر، ولا يوجد بالتالي قانون ثابت نلتزم به ونظل نقبع فيه إلى الأبد. إننا نتغير في كل لحظة كلما أشرقت الشمس وكلما اكتمل القمر. نتبع قوانين التجاذب والتنافر منساقين لها وأحيانا مجبورين وغافلين عن طبيعة صنعها فينا. وما يقوله البحر أن الوجود مرتبط ببعضه وكل شيء يتأثر بما حوله سواء كان كبيرا بحجم البحر أو صغيرا بمستوى عشبة بحرية تذبل في الأعماق أو يلتهمها سرطان أعمى. ولولا الماء ما عاشت سمكة ولولا الشمس لما كان المطر، ولولا الهواء لما تطايرت في الريح أوراق الخريف ولولا التراب لما بزغت زهرة أو استقام برعم أو فرع.
ومن دروس البحر، أن الجلوس على السواحل بانتظار الرزق هو صفة الجبناء والمشلولين، وأن الوصول إلى الحرية يبدأ بمواجهة الخطر وباقتحام الدروب الوعرة والانتصار عليها. والبشر إنما يرتفعون في الحياة بحسب قدرة كل منهم على تجاوز الموجات العالية والصعبة، فترى بعضهم يعيش ويقتات على الفتات والزبد قرب الساحل وآخرون يدخلون إلى العمق البسيط ويرضون بما يصطادونه من غنائم هزيلة وصغيرة، بينما الفئة الشجاعة الحرة لا ترضى إلا بكنوز الأعماق البعيدة وإن كلف ذلك حياتهم. فانظر أي من الناس أنت؟
ومن قصائد البحر قوله:

بالماء أنا سماء
امنح الحرية للغرقى عشاق الرحيل إلى الأبد
كل سفينة فوق ظهري هي أرض الحياة الحق
وهي البلاد التي لا يحكمها أحد


akhozam@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

اختبار الحياة

قبل 5 أيام

شجرة الثقافة

قبل أسبوع

قوة الثقافة

قبل أسبوعين

حامل الميزان

قبل 3 أسابيع

لحظة وطن

قبل شهر

عشبة الخلود

قبل شهرين

المجمع الثقافي

قبل شهرين
كتاب وآراء