صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الهروب

في لحظات التجلي النفسية يجد الإنسان أنه قادر على فعل كل ما يطلب منه، فيعد ويتعهد ويضرب يده على صدره قائلاً أنا لها.. وما بين ما يتصوره الإنسان سهل المنال، وما بين الواقع، هناك فجوة واسعة، قد لا يستطيع قطعها أو حتى تجاوز أمتار منها، ولكنه الإنسان والكبرياء المزعوم، والغرور البشري الذي يجعل الإنسان يأبى أن يقول إنني لا أستطيع. - عندما تجلس المرأة أمام زوجها وتلسعه بنظرة من عينين تشعتان بوميض أنثوي رهيب، وتطلب منه أساور ذهبية من تلك التي قرأت عنها في الإعلان، فلا يملك الرجل غير أنه يتلفظ ويحك صدغه وينظر إلى الزوجة من طرف خفي قائلاً.. لا تقلقي الأمر سهل جداً، غداً سوف أصطحبك إلى السوق وتشترين ما تريدين. ويأتي الغد، والحبيب يصرخ في الفراغ، ويفتش الرجل عن حيلة أو وسيلة تبعد عنه ملاحقة عيني زوجته، ولا فائدة فيعدها إلى اليوم التالي ثم يأتي اليوم التالي، والقدرات المالية لا تزال متواضعة وأحياناً بائسة، والزوجة لا تفقد الأمل والزوج يبقى هكذا أسير الملاحقة والنظرات التي لا تكف عن التأنيب. - حين يأتي الطفل مطالباً أباه بأن يأخذه إلى حديقة الحيوان في يوم الإجازة الأسبوعية، فيهز الأب رأسه مبتسماً فرحاً قائلاً: لا عليك سأكون جاهزاً ولا شغل غيرك وسوف أكون رهن إشارتك.. ينتظر الطفل على أحر من الجمر ذلك اليوم الموعود يدرس بشغف ويلبي كل واجباته المدرسية بنفس مفتوحة وإرادة صلبة. ويوم الإجازة تجد الأب معتذراً، متململاً قائلاً.. سامحني، لا أستطيع اليوم ولكن الجمعة المقبلة أعدك بأن أصطحبك إلى الحديقة.. ويظل الطفل ينتظر ويعد أيام الأسبوع ويحسب الساعات ولما تهل الجمعة تهل معها أعذار أخرى. - عندما تعد صديقاً بزيارة وتحدد اليوم والساعة ويعد الصديق العدة، ويجهز مستلزمات الزيارة ولا تأتي، وعندما يستفسر تعتذر وتعده بيوم آخر، ويأتي اليوم ولا تفي بالوعد، وتظل أنت ملاحقاً بتنفيذ الوعد، ويظل الصديق مأزوماً بالزيارة، التي لا تأتي. - لو فكر موظف بأن يطلب من مديره رفع درجته الوظيفية، فتفرس المدير في وجه الموظف، وقال في رحابة فالك طيب أنت تستاهل وأعدك بأنك في الشهر المقبل ستكون ضمن المرفعين.. ولا تقلق.. يفرح الموظف، ويذهب إلى بيته ويبشر الزوجة، وقد يأخذ الزوجة والعيال ويعزمهم في أفخر مطعم من مطاعم البلد، مستعجلاً النتيجة مستبشراً الخير بابتسامة المدير وينتهي الشهر ولا يجد الموظف اسمه بين قائمة الذين شملتهم الترقيات ويذهب إلى مديره معاتباً فيقول له: فالك طيب الشهر المقبل.. وينتظر الموظف الشهر تلو الشهر ولا نتيجة.. إنه الهروب، والمواعيد التي لا تأتي لأن أصحابها اعتادوا على انتظار ما لا يأتي، المهم أنهم يهربون باتجاه زمن لا يحسب حساب الصدق ولا يعي بدور القلق حين لا تكون واضحاً وصريحاً. علي أبوالريش

الكاتب

أرشيف الكاتب

طفرات وصور داكنة

قبل 4 ساعات

سفر

قبل 23 ساعة

أشواق

قبل 4 أيام

صداقة

قبل 5 أيام

حب من نوع آخر

قبل 6 أيام

أدبر وتولى 2019

قبل أسبوع
كتاب وآراء