صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

ندماء الوقت.. سلاطين البحر والريح!

صالح العزاز.. وعتمة الزرقة قبل سنتين، وفي صباح باريس الخريفي تلقيت خبر مرضه وسفره، كان يفصل بين المدينتين محيط أزرق، وأحداث سبتمبر الأسود، وفي المساء كان المطر الخريفي ينهمر على الحي اللاتيني، ويحيل كل الأمكنة إلى الطُهر، وإلى تلك الالتماعة المحببة لنفسه، هاتفته لأدخل عليه شيئاً من فرح متأخر أو مؤجل، فاجأني صوته، وجاءني على غير عادته هادئاً واهناً ومنزوعاً من صخب الحياة، ودعني ولم أكن أريد أن أودعه، وعدني أن تضمنا شوارع باريس يوماً، وأن يغسلنا مطرها الخريفي، يومها أيقنت أن صاحبي تاب من الحياة، رغم شفق النور في عتمة الزرقة، لملمت بقايا انكسار ذلك اليوم، وبقايا تداعيات تلك الليلة الممطرة، داعياً للصديق بالثبات والسكون، مشفقاً عليه من سفر مبكر لا نريده نحن الاثنان، بعدها بسنتين من الصعاب الثقال، نقل لي صباح القاهرة المنذر بالريح وبالمطر المنهمر، نعي الصديق، وسفره الذي كان، وكنا لا نريده، نحو برودة التربة وعتمة الزرقة! ممدوح عدوان.. غادرنا بأسئلته ممدوح عدوان.. لم يقدر أن يكون أي شيء، إلا كاتباً ومناصراً للحياة ومدافعاً عن الإنسان في كل مكان، ضد كل ما يمكن أن يجرح حريته وحياته وإنسانيته وكرامته، لم يقدر أن يكون أي شيء إلا صديقاً للحرف ولوجعه، ولتلك المشاغبة التي يحدثها حين يفتح نوافذ البصر والبصيرة، لم يقدر أن يكون أي شيء إلا كيفما عاش وكيفما كان وكيفما مات!? ممدوح عدوان.. أيها الصديق الجميل المحارب حتى آخر ضوء من شعاع الشمس، وحتى مطلع الفجر.. سلام عليك كيفما كنت، وكيفما كتبت، وكيفما غادرتنا تحمل قلب طفل لا يزال فرحاً بالدنيا، وتحمل تلك الزوّادة المليئة بتلك الأسئلة وأجوبتها التي غادرت معك، لو أنك تركتها أو لو أنك لم تغادرنا بعد! عبدالرحمن منيف.. رحيل الطائر النبيل مثلما غاب متعب الهذال بطل خماسية مدن الملح خلف سراب الكثبان الرملية، أو غيبته الريح الزاحفة من أقاصي الخراب، يأتي غياب الرجل الذي كان يتبع متعب الهذال في سير ظله على الأرض، تاركاً حزناً في المدن غير خفيّ، وهي التي كانت قد تقاسمت حبه ورضاعته، واضعاً آخر وصاياه في عنق دمشق، غادرنا عبد الرحمن منيف في سن السبعين، وكأنها خواتيم كل هذا السفر، وهذا الرحيل، وهذا الرعاف القلمي الذي يشبه دموع الأمهات الصابرات، صبّه بجمله وجملته من أجل إنسان عربي آخر، ومن أجل إنسان جديد، ووطن جديد، وعصافير تحتفي بمرابع الحرية الخضراء!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء