صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

مدينة لا يليق بها الحزن
هيدا عريس··هيدا ذهب للجنة دوغري·· الشهيد ما بيلبق له السواد·· ما تبكوا عليه·· زغردوا له·· هيدا عريس··
كانت تلك العبارة تنطلق بهستيرية من شخص أعماه الحزن، كان يلبس البياض، غير أنه كان يعتصر من الألم، وقبض القلب، في ذلك المشهد المحشري الذي يحيط بمسجد الأمين، كان الجميع في وجوم، وفي كمد، والعيون التي جاءت مودعة، ما زالت غير مصدقة، ما زالت مهمومة بوقع المفاجأة·
بيروت·· على غير عادة هذه المدينة باعثة الفرح ومشاغبة الحياة، تبدو منذ أول وهله تسبح في دمع عيونها، والطريق المؤدي اليها من مطارها الذي بناه الرجل ليعيد له مجده القديم، حين كان مسرحاً للقاء العائلات ومنتزهاً يلتقي فيه الجميع لوداع عزيز، أو استقبال مهاجر عنّ عليه الوطن وأتعبه الغياب الطويل، كانت حديقته ومطاعمه ومقاهيه وصالاته، ملتقى لدموع الفرح والغياب، هو اليوم جديد بكل ما فيه، لأن الرجل بعث فيه الحياة، وضخ فيه من عافية لبنان المستعادة، كان يريد أن يجعل منه واجهة حاضرة لكل الناس القاصدين بيروت، والقاصدين اقتناص السرور والعمل·
بالأمس كان هناك ثمة يُتم فيه، واللمعة الجديدة التي تحليه غدت مطفأة، ولافتات بدأت تطل للزائر الذي يقدم لبيروت لأول مرة بكل هذا الأسى وحجم هذا الفجع·
بيروت اليوم تختلف·· والطرق المؤدية لمسالكها تكاد تكون خاوية على وجعها وتعبها، خالية من زحمة سياراتها المعتادة وضجيج أبواقها، شجارات سائقي السرفيس والمسبات الكثيرة التي يلقيها الشارع عبر نافذة سيارتك المفتوحة، اليوم·· الشوارع خافتة وصاخّة، والسيارة المنزلقة من المطار باتجاه قصر قريطم عبرتها في دقائق لم تكن معتادة، المنعطف الذي يمسك خاصرة الطريق ويلف جانباً من السفارة السعودية وتلفزيون المستقبل موصلاً الى قريطم، كان يفحّ بهواء ذاك النهار الحار نسبياً في شتاء بيروت، كان ثمة غمامة سوداء تتبع ظلها·
الحريري·· صوره·· تلاحقك في كل مكان، كلها كانت تحمل بسمة النجاح الغامضة، صوت مقرئ يتسرب الى أذنك ويؤدي بك لمشهد العزاء، تراقب العمارات التي تعرفها والناس الجلوس تحتها، كلهم ينظر في العيون ليقرأ أو ليعرف·
كنت دخلت هذا القصر مرات عدة، وفي كل مرة كان إما تتويجاً لفرح أو ختاماً لنجاح مؤتمر، وكان الرجل أريحياً ومنبسطاً وشرحاً، لا يدع زواره يتركون ذلك القصر دون مأدبة أو وليمة تجعلك تقسم بعدها أنك ستدخل في حمية غذائية، وحين يشعر الرجل بذلك اللوم في العيون، يطيّب الخواطر بأنه خرق حميته الدائمة من أجلهم، تلك تفاصيل قد لا يقرأها أحد في وقتها، واليوم قد لا تهم أحداً غير المخلصين لها، ولتلك الحميمية في الرجل·
اليوم·· قريطم هو قلب بيروت، كما كان الرجل قلبها دوماً، والحشود متلحفة بالسواد تبكي الرجل، وتبكي القيم الشريفة والنبيلة التي عوّد الناس عليها، وزرع فيهم أشياءه الجميلة والمبشرة بالحلم، وبلبنان يتعمر للأجمل، ويبنى للأحسن والأحلى·
كان الحزن يشطر الناس·· وكانت الزيارة لقريطم هذه المرة خالية من رجل قريطم ومن بسمته التي تعني وتغني النجاح··
amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء