في القرية البائسة النائية ترك خمسة أطفال أكبرهم في التاسعة وزوجة وحيدة ووالدين شيخين، ورحل طلبا للرزق الى أن أوصلته الأقدار الى مدينة العين، ليبدأ تحقيق أحلامه الصغيرة البسيطة، وكلما تيسر الحال في نهاية كل شهر يقتصد بضعة مئات من الدراهم يرسلها الى الزوجة التي ما تلبث ان توزعها لتأمين الطعام والمصاريف التافهة، وأحياناً في الدواء للوالدين الكبيرين. في ذلك الصباح كان متفائلاً ويشعر بسعادة ربما مبعثها قرب تسلمه بضعة مئات من الدراهم التي ستدخل البهجة في منزله البائس، ويحمد الله، فهي وإن كانت قليلة غير أنها كافية لتحقق تلك الأحلام الصغيرة لأولئك الصغار فتشرق وجوههم ببسمة تنسيه تعب الأيام وكفاح السنين وجهد يومي لا ينتهي الا مع غروب شمس كل يوم.. وفي لمح البصر، وفي لحظة عدم اكتراث تكفل رجل غير مسؤول بقتل الأحلام الصغيرة بوحشية بشاحنة مسلحة بأطنان من الحجارة، كانت الفاجعة المأساوية التي تحطمت فيها حياة عائلات أكثر من اثنين وعشرين عاملاً بسيطاً قصصهم لا تختلف كثيراً عن قصة هذا العامل وأطفاله الخمسة. قد تمر الحادثة مرور الكرام، وقد تنسى بعد بضعة أيام لكن أولئك تغيرت حياتهم الى الأبد، تلك هي المأساة، لكن هل يجب أن تمر مرور الكرام دون ان يستفاد منها، دون أن تتم إعادة دراسة شروط الحصول على رخصة قيادة بكافة فئاتها، بل وتشديدها على الفئات الثقيلة، هل ستمر دون أن يتم بحث ودراسة وفيات الحوادث المرورية المتزايدة والتي لا تنعكس فقط على المصابين، بل لها انعكاسات خطيرة على المجتمع وعلى سمعة الدولة محلياً ودولياً في عدد وفيات حوادث المرور، وهي التي تبوأت مكاناً متقدماً في مختلف المجالات، فالمسألة ليست مجرد حادث مروري مروع راح ضحيته 22 شخصاً، لم تعد متعلقة بالضحايا وذويهم فقط، فهي ليست مجرد أرقام، انها مسألة تمس الوطن وأمنه، وكل ما يمس الوطن أو من على أرضه يجب أن نتوقف عنده كثيرا للتعامل معه وإيجاد الحلول المناسبة له.. لاشك أن الجهات المعنية تقوم كل يوم بما عليها من أجل الحفاظ على الأرواح، غير أن الأمر يستدعي مزيداً من الإجراءات والتشدد خصوصا على السيارات الثقيلة والشاحنات التي غالباً ما تكون قديمة ومتهالكة، فالحادثة كانت نتيجة عطل ميكانيكي لمكابح الشاحنة وليست بسبب الزحام أو الطقس أو الشارع، وهنا تصبح جريمة يشترك فيها السائق ومالك الشاحنة، لعدم التأكد من سلامة المركبة التي تتحول الى سلاح فتاك يرهب مستخدمي الطريق..! جميل رفيع | bewaice@gmail.com