الفساد ظاهرة عالمية عابرة للقارات، موجودة في كل مكان، والفاسدون بشر كغيرهم، لكن ربما يحملون منظومة قيم تختلف عن غيرهم، كما أن لهم مطامع أكبر وقناعات تبيح لهم ما لا يباح أصلاً في كل منظومات الأديان والأخلاق، فماذا يردعهم إذن؟ قبضة القانون ومؤسسات الرقابة وآليات المحاسبة الصارمة، وإلا فلو تركوا لأنفسهم لطفح الفساد على رؤوس العباد، فالفساد والمفسدون لا يتسببون فقط في تسميم طفل رضيع بحليب منتهي الصلاحية، ولكنهم موجودون هناك حيث تتحدد حياة الناس ومصائرهم وأرزاقهم، يفسدون الحياة والهواء والماء ويهدمون البيوت والمدارس والمستشفيات، يلغون في الدم ويذبحون تحت مبررات مقززة. حدثني رجل قد مضت عليه أشهر طويلة في إحدى عواصم الغرب، من أنه لاحظ مع مرور الزمن تراخي الأطباء في علاج ابنته وإهمالهم أحياناً، فاستغرب متذكراً كيف كانت عنايتهم ورعايتهم في البداية وهم ينتمون لواحدة من أعرق المصحات، وحين تقدم للإدارة محتجاً وشاكياً فاجأته النتيجة، ففي صباح اليوم التالي كانت غرفة الطفلة تعج بالأطباء من كافة التخصصات، مشهد أعاد إلى ذهنه مرحلة البدايات مصحوباً بابتسامات واعتذارات مبطنة، فحتى أعرق مؤسسات العالم يتراخى الناس فيها إذا رفعت عنهم أعين الرقابة والمحاسبة! هذه الحالة قد لا تتكرر كثيراً في الغرب بسبب صرامة الالتزام بأخلاقيات المهنة بشكل عام، لكن التجاوز والتساهل ومحاولة التفلت طبيعة إنسانية عامة لا يضبطها سوى القوانين ومؤسسات المحاسبة، لذا فخيراً يفعل كل مريض أو أي صاحب حق حين يلجأ إلى القانون والمحاكم إذا تم التجاوز عليه وعلى حقوقه، خاصة وأن شعار أو عبارة «أنت على حق» التي نجدها في كل مكان تعمل على إعلاء هذه الثقافة وتكرسها في حياتنا كمبدأ وسلوك عام، بعيداً عن ذلك الربط الغريب بين الشراسة أو الجلافة وبين المطالبة بالحق أو الشكوى! لقد كان كثيرون منا ينظرون إلى الشكوى أو الاعتراض أو التقدم ببلاغ ضد فلان الذي عرضنا للانتهاك أو الضرر على أنها سلوك «فضائحي»، فأنت تثير قضية من لا شيء حسب بعض الآراء إذا اشتكيت على المطعم الذي قدم لك وجبة كادت تقضي عليك، أو أنك تكبر المسائل إذا اشتكيت على ذلك الموظف الذي تجاوز حقك أو تجاهلك أو استغفلك، والمطلوب من وجهة نظر هذه الآراء أن تسامح وتهدئ أعصابك وتنسى، و«بلا فضايح» حسب تعبير البعض، أين الفضيحة بالضبط إذا طالبت بحقك؟ في دول أخرى تغرم المطاعم التي تقدم وجبات فاسدة ملايين الدولارات، وقد كنت في أميركا ذات يوم وتأخر النادل في تلبية طلبي أكثر مما يجب، ثم حين قدم لي طلبي بعد ساعة من الانتظار كان غير ما طلبته تماماً، فكانت النتيجة أن اعتذر لي صاحب المطعم شخصياً وقدمت لي وجبة العشاء مجاناً! إن ذلك المستشفى الذي قدم حليباً منتهي الصلاحية لطفلة رضيعة هنا في الإمارات منذ عدة أيام كاد أن يتسبب في قتلها لولا ستر الله، وهو سلوك لا يبرر بعدم الانتباه أو الخطأ غير المقصود، إنه فساد واضح لا يحتاج لدفاع، فقد كان البعض يدافع عن أخطاء الأطباء الفادحة التي ترتكب في حق المرضى على اعتبارها شائعة في كل الدنيا، نعم الخطأ وارد والفساد موجود في كل الدنيا، لكن هناك في المقابل قوانين صارمة وسلسلة عقوبات رادعة ولا أحد فوق المساءلة! ayya-222@hotmail.com