نعم طاسة البطالة تاهت في مجاهل غياب التخطيط الاستراتيجي الذي كان من المفترض أن يحدد ملامح القضية ويقترح العلاج قبل فوات الأوان، وفي تصوري هناك عدد من العوامل التي ضاعفت من حالة التيه التي تعاني منها قضية البطالة في مقدمتها: أولا عدم وجود خطة استراتيجية للتوظيف في الدولة فالحاصل هو ما يمكن أن نسميه استشعار الخطر إذ كلما نستشعر خطر البطالة نصدر قرارات بهدف علاج هذا الخطر، ومن أمثلة ذلك القرار الخاص بالتوطين في الدوائر الاتحادية والذي حدد نسبة 40% للتوطين في هذه الدوائر حتى عام ،2007 وهو قرار لا يزال مجرد حبر على ورق بسبب عدم وجود درجات مالية·
ثانياً: عدم وجود مخطط للتنمية الشاملة في الدولة إذ أنه في الوقت الذي تدفع فيه مؤسسات التعليم العالي في الدولة بحوالى 10 آلاف خريج وخريجة سنوياً فإن هؤلاء لا يجدون أبواباً تنموية مفتوحة لهم بحيث يجد كل منهم الوظيفة التي تناسب تخصصه العلمي، كما أن غياب المخطط التنموي الشامل يجعل عملية التوظيف تتم ارتجالياً دون سند من التخطيط الذي يرصد احتياجات سوق العمل بصورة فعلية·
ثالثاً: تعثر برامج التنسيق بين مؤسسات التعليم العالي من جهة والهيئات والدوائر الاتحادية المسؤولة عن التوظيف من جهة أخرى، وأذكر في هذا الصدد أن جامعة الامارات ووزارة التربية والتعليم ابرمتا اتفاقية منذ العام 1992 لتحديد احتياجات الوزارة من الخريجين والخريجات حسب تخصصاتهم العلمية، وأخذت هذه الاتفاقية مجهوداً كبيراً من رصد الاحتياجات ودراسة رغبات الطلبة حتى العام ،2005 وبعد ذلك تغير وكيل وزارة التربية في ذلك الوقت ودخلت الخطة نفق النسيان·
رابعاً: وجود خلل في التنمية المحلية بحيث ترتفع كفة هذا الخلل للأعلى على حساب الخريجين والخريجات، ففي الوقت الذي توجد فيه كليتان للتقنية في الفجيرة، وتدفع كل كلية منهما بالخريجين والخريجات سنوياً إلى سوق العمل وهو سوق لا يتسع سوى لعدد محدود منهم، ونفس الشيء يحدث في رأس الخيمة والعين ولكن بمعدلات مختلفة·
خامساً: دور البعد الجغرافي في تشكيل هرم البطالة إذ أن بعض الخريجين والخريجات ينظرون إلى الوظيفة باعتبارها امتداداً جغرافياً للمكان الذي نشأ فيه كل منهم، وعلى سبيل المثال فإن خريجة من خورفكان وجدت فرصة عمل في الفجيرة، وعلى الرغم من أن المسافة قريبة بينهما إلا أنها ترددت وقد شجعت الأسرة هذا التردد بزعم بعد المكان·
سادساً: وهذا هو الخلل الأكبر من وجهة نظري وهو الخلل في مناهجنا التعليمية إذ أن التعليم لدينا لا يزال يأخذ بعقلية الحفظ والتلقين وهي العقلية التي جعلت نسبة الطلبة في القسم الأدبي تزيد عن 67% في حين تهبط هذه النسبة في العلمي إلى 23%، وهذا الخلل يفرض على الجامعات نوعية من الطلبة لا ترغب في دراسة الطب أو الهندسة أو العلوم بل تسعى لدراسة التاريخ والتشريعة والقانون وعلم النفس والاجتماع والجغرافيا، وهؤلاء وغيرهم من تخصصات العلوم الانسانية والاجتماعية تشبع بهم سوق العمل حتى النخاع، وغداً نواصل·