صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الانتماء إلى المطلق

تهرب الدنيا من يدنا أحياناً. ينفرط الزمن مثل مسبحة قديمة فتتناثر أيامنا على الأرض ولا نعرف كيف نلملم أجزاء حياتنا. هذه اللحظة عندما تصادفنا في لحظة ضعف وعدم تركيز معناها أن رؤيتنا للحياة أصبحت مشوشة وينبغي إعادة ترميمها بالمزيد من البحث عن الوضوح والسكينة الكامنة في دواخلنا ولكن لا نعرف الطريق إليها. البعض في هذه الحالة يذهب إلى لملمة حبات المسبحة من الأرض وإعادة ربطها بخيط جديد. وهذا النوع من البشر هو الذي يرفض أن يتخلى عن متعلقاته وذكرياته حتى لو كانت سيئة وبالية ومؤلمة. إذ كلما انفرطت أيامه وأوصلته إلى طريق مسدود نراه يعود ليستجمع نفس الآلام ليكمل بها درب حياته المظلمة. وقد لا يستطيع أن يجمع ما ضاع من أيامه مهما طال بحثه في الزوايا والحفر. آخرون عندما تنفرط منهم قدرة السيطرة على الذات نراهم يملكون حكمة التصرف بالبحث عن أحجار جديدة لصناعة مسبحتهم غير عابئين بما ضاع على الأرض أو سقط في الرماد والوحل. وهؤلاء يدركون أن الإنسان هو الذي يصنع قدره بيده مهما حاصرته الظروف وأن التخلص من أعباء وآلام الماضي هو طريقة حياة وشرط أول لتجاوز عثرة البدايات والتجدد والانطلاق دائما نحو المستقبل بخفة وبرؤية تستشرف البعيد دائما. والسيطرة على الذات والتحكم بها هي أولى الخطوات للسيطرة على قدرنا. والرجال العظماء في التاريخ هم الذين غيروا من ظروفهم المحيطة وهدموا جدران اليأس بقوة اندفاعهم نحو ما يريدون. إحدى أهم الطرق للسيطرة على الذات هي تربيتها كما نريد، وتلقينها وتعليمها المبادئ والأسس الإيجابية التي تعيننا على مواجهة الحياة. وهناك مدارس كثيرة اليوم ترى أن تربية الذات تتم عبر تطهير العقل ومسح القيم السلبية البالية منه واستبدالها بقيم جديدة إيجابية ومحفزة على التطور والارتقاء. وعلى الأغلب تكون هذه القيم السلبية محفورة في دواخلنا منذ الصغر بسبب تلقينات الأهل والمدرسة والأصدقاء وغيرهم والتي تصبح مع الزمن مصادر للخوف والارتباك وعدم الفهم وعدم القدرة على التحرر والانطلاق. على سبيل المثال قل: (أنا شجاع جدا وقلبي خال من الخوف). وراقب ما هو الجواب الذي يأتي إليك من داخلك؟ فإذا كان عكس هذه الحقيقة فإنك بحاجة فقط إلى تغيير هذا الجواب الذي في داخلك لكي تصبح بالفعل شجاعا وقلبك خاليا من الخوف. وهذه الممارسة ينبغي أن تظل تتكرر إلى أن تصل في النهاية إلى النتيجة المرجوة. والسيطرة على الذات لا تتم فقط عبر تدريب العقل، بل تمتد إلى تدريبات أخرى صعبة منها تطويع الجسد واختبار قدرتك على الصبر والتخلي عن الرغبات. ومنها امتحان القلب وفن التخلص من الأفكار الملحة. وممارسة فنون التـأمل التي تذهب بك إلى منطقة (اللا تفكير) حيث تستشعر ذاتك سابحا في عماء الكون ومتلذذا بالانتماء إلى المطلق. khozam@dmi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

تراث التنوير

قبل 6 أيام

سفك المداد

قبل أسبوع

أماكن التعايش

قبل أسبوعين

الثقافة المتغيّرة

قبل 3 أسابيع

مسرح الفراغ

قبل شهر

النقد الجريح

قبل شهر

نغمة شاردة

قبل شهرين

شلال كلمات

قبل شهرين
كتاب وآراء