هل يُمكن أن تصل الأمور إلى هذا الحد؟ وهل يُمكن أن يحدث ذلك في منفذ حيوي من منافذ الدولة؟ وهل يُمكن أن يحدث ذلك على مسمع ومرأى من المسافرين المغادرين والقادمين من كل بقاع العالم إلى بلادنا؟ وهل يُمكن أن يحدث أمام موظفينا من الإدارات المختلفة وكأن شيئاً لم يحدث؟ وهل لا تزال لدينا هذه العقلية من بعض صغار موظفينا في هذه المنافذ· بداية أرجو ألا تأتي جهة ما أو إدارة ما اليوم أو في الصباح الباكر، ويقولون يابوعوض: مين هو الريال المقصود، فالقضية ليست قضية رجل أو مسؤول صغيراً كان أو كبيراً في هذا المنفذ أو ذاك بل أتصور أن الأمر أكبر بكثير من تفاصيل الواقعة المخزية التي يتناولها البعض على استحياء، ويتندرون بها·
وأنا شخصياً لا أعتقد أن ما حدث يدعو للتندر أو الضحك بل إن ما حدث يجب أن يفتح الباب أمام مراجعة شاملة لدور هؤلاء في منافذنا، والواقعة ببساطة أن موظفاً ما كان مغادراً الدولة منذ أيام ضمن وفد إلى دولة عربية شقيقة، وذلك من أحد منافذ الدولة الحيوية، وعند مرور هذا الموظف من بوابة الجوازات لمحه صديق له يعمل في هذا المنفذ، وفجأة وجد الموظف المسافر نفسه بين يدي شخصين من موظفي هذا المنفذ تحدثا معه بأدب، وطلبا منه أن يصطحبهما إلى أحد المكاتب الداخلية في صالة المغادرة·ولأن صاحبنا من عباد الله المساكين فقد ارتعدت فرائصة واصطكت أسنانه في عز الصيف، ولم يعرف أحد إلاّ الله مادار داخل ملابسه، فالرجل لم يذهب إلى قسم شرطة في حياته، وليس لديه دفتر شيكات أو حتى حساب بنكي، ولا يملك رخصة تجارية، وليس لديه مكفولون، يعني باختصار استرجع الرجل شريط حياته من قبل الولادة حتى اللحظة المشؤومة فلم يجد فيها ما يشين·
أكثر من مرة دخل عليه موظف من هنا وهناك، ولم يتفوه أحد منهم بكلمة واحدة، صاحبنا قال لنفسه: رحت فيها، لم تكن هناك دورة مياه بالقرب منه، وحتى لو كانت فالمياه كلها نزلت الدقائق تمر، والقلق يأكل أمعاءه بل يمزق نياط قلبه، تلفت حوله فلم يجد أحداً من الربع الذين كان ضمن وفدهم، مرت دقائق أخرى ثم أقبل أحد الموظفين وهو يحمل بعض الأوراق معه، وصار يقلب فيها يميناً ويساراً·
بعد لحظات نظر إليه الموظف وأعطاه جواز السفر، ولم ينس أن يقول له: ترجع بالسلامة، في الطريق إلى الطائرة كان الرجل ينظر إلى نفسه، ويقرأ وجوه من حوله، كان عرقه يتصبب مثل مرقه وكان صديقه الموظف في هذا المطار يطالعه من بعيد وعيونه يقفز منها الضحك، وأسنانه امتدت أمام وجهه أمتاراً، سلم على صديقه وسأله: إلى أين، وفي أمان الله يا ريال، ونشوفك على خير، وكتم الضحك في صدره·
مضى صديقنا المسافر إلى الطائرة وفي رأسه آلاف القصص والهواجس والأحلام الكئيبة التي لم يقض مضجعها وصول الطائرة إلى بلد السفر، حاول بعض أعضاء الوفد اخراجه من هذه الحالة ولم يفلحوا، وفي مطعم الفندق اقترب منه أحد أعضاء الوفد وقال له: تعيش وتشرب غيرها يالحبيب·· لم يصدق أن ما حدث كان مقلباً أو مزحة، تصور أن زميله في الوفد يخفف عنه، ولكن زميله أقسم له بأغلظ الايمان أن ما حدث كان مزحة مشتركة من صديقهما المشترك الموظف في المطار، وإذا لم تصدق فهذا صديقنا المشترك على الموبايل يشرح لك الأمر· ضحك شارب المزحة على مضض، ولكنه لم يستطع أن يبتلعها، وفي الوقت نفسه لم يقو على التصريح بها، وعليه العوض·