مجموعة القضاة في القفص” جملة كان استعملها السرياليون في بعض من عبثهم الذي قاموا به. والمشهد مُغر: فأن يكون القاضي بجلاله وهيبته في القفص، متعة للمتهم، فكيف إذا حشر عدد من القضاة في فص واحد للاتهام؟ وهذه المسألة ذكرتنا بها عبارة وردت في رسالة من الأديب سعيد تقي الدين كان قد أرسل بها إلى الدكتور سهيل إدريس صاحب “الآداب”، أثبتها إدريس في كتابه “ذكريات الأدب والحب”، وهي تستدعي التأمل إذ يحاكم فيها تقي الدين غيابياً مجموعة قصصية لم تصدر لسهيل إدريس، عنوانها “أشواق”. سعيد تقي الدين يحاكمها وينتقدها قبل صدورها وقبل قراءتها. وهو كما يقول جزء من النقد الاحتياطي. سعيد تقي الدين في الأساس قاص وروائي ولا يؤمن بالنقد. وكان سهيل إدريس ناقداً ثم أضاف القصة والرواية فوقع في الفخ. فالنقد بعبارة تقي الدين “فن زائف ومهنة طفيلية لأنه يوهم صاحبه ولو ضمناً بالتفوق على المنقود”، لكن هذا الأديب الذي لا يولي للنقد أهمية، تراه يمارس أعنف نقد تحذيري على صديقه. إنه يحذره ويكتب له “سأكون قاسياً بالنقد لأسباب منها: 1- أنك من الحي المعادي، حي النقد 2- أنك أصبحت لي صديقاً”. أما الفرح السادي الذي يذكر تقي الدين أنه انتابه، فمصدره صدور مجموعة قصص “أشواق” للناقد سهيل إدريس فأنما وقع القاضي في القفص، يقول متحبباً: “فاتني أن أخبركَ (والخطاب هنا من سعيد تقي الدين إلى حفيده) أن هزة جَذل ملكتني إذ وافتني رسالته (ويعني سهيل إدريس) بأن ظهر له مؤلف قصصي، فرح سادي كمن رأى قاضياً طال أمد جلوسه في صدر المحكمة، يعتقد قفص المتهمين، وطربت أن فتى له دماغ مثقف نير هجر قمة النقد، ففي الأدب، النقد يأبني، هو مهنة من ليس له مهنة ونحن بالإنتاج نقتات ونقوى). فسعيد تقي الدين تراه هنا يمارس النقد من حيث يرذله، ويثبته من حيث ينفيه، بل هو يمارس النقد التحذيري أو الوقائي إذا صحت العبارة. وكان سعيد تقي الدين ينفر من المدارس النقدية والأدبية، ويعتبر على غرار الياس أبو شبكة أن المدارس وحوش. وكانت نبرته قاطعة كالسكين حتى لكأنه يكتب بأظافره. ولا يغيب عن البال وصفه لما يُسمّى بالرأي العام بالبغل. قال: الرأي العام.. هذا البغل.. فالإبداع الفني والأدبي لا يخضع لديمقراطية العدد.. ومن أبرز سماته أنه أقلوي نخبوي ويخضع لتغيرات الأجيال، فكم من شاعر كان منبوذاً في عصره وصار نجم العصور اللاحقة، وكم من أديب كان اتساع انتشاره وسرعة هذا الانتشار مسيئين لقيمته الإبداعية فكأنما جمهوره يتواطئ عليه. هكذا يمارس تقي الدين النقد من حيث ينفيه ومن حيث لا يسميه، ففي داخل كل أديب ناقد شاء أم أبى.