صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

من وحي الغموض!

رجل تصالح مع غياهب الدهر، تقوس ظهره وطال شعر رأسه إلى حد كتفيه، يسدله البياض تموجا, نال الزمن منه، وبدا وحيداً تتقاذفه الأيام، يستقر في قبو شقة أقرب إلى كهف، بالدور السفلي من المبنى الممشوق بالأدوار الأربعة. يبدو كما لو أنه رجل الكهف، ينصهر في سائر أيامه وحيداً، لا يخرج إلا لبضع سويعات، يمد النظر قليلا، ليلحظ الشمس والشارع، وحدائق تحتضن المبنى، ليسترسل قليلاً أمام المسبح وملاعب التنس، ويبقى قليلا يتذاكر مع الطبيعة المنسية، ليسترد بعضا من أنفاسه المسلوبة طوال الأيام. يطرق مبتسماً، يستعيد من الذاكرة شيئاً مفقوداً! يلوح بيده بطريقة مبهمة، لربما لا يجد ما يستجلب من ذاكرة مشوهة، تتقوس أمامه الرؤى، يبحث عن نفسه أم عن سرّ وحدته، جدران تحاصر أنفاسه، فلا يعي معنى للحرية، وسط ركام مدينة تضج ولا تهدأ، لعله يقبض على شيء من الحب أو السكينة أو ألفة النفس، بعيداً عن ملامح مدينة تكتظ بالسرعة، تخرج عن مألوف الفرح، لها فيض لا تعرف الحب، مدينة “تاكوما” مثل سائر المدن الأميركية الأخرى قد اقتلعت كل الأنساق الحياتية البريئة، وأخذت تفترش جذوة الصخب ومطلق الهذيان والتورم المجتمعي العابث، فكل إنسان قائم بذاته وبشؤونه، وكل مبنى ينفرد بخصوصية لا تمت إلى الآخر. حاولت بدافع امتداد الحياة الشرقية الاقتراب منه مرارا، أو بدافع فضول الجار العربي، حاولت أن أعلم شيئا عن عالمه الخفي، إلا أنه لم يفصح عن الكلام ولا عن شيء يذكر. لربما كانت الابتسامة تلك من صنع الخيال أو بقايا من انحسار مزمن من الأحلام! لم أره يمرض ليستدعي طبيبا، لم يشعر بالبرد قط، ولم ينتهي إلى سمعي سعال يطن بالجدران، لم أر زائرا يطرق بابه، لم يسألني أحد عن وجوده من عدمه، فخال لي أنه يرحل ويعود بعد فترات وجيزة.. لكن لم ذلك يحدث، رغم رؤيتي لامرأة ذات صباح تقف في معية حين دأب على الحياة لأول مرة هنا، ثم اختفت تماما، كما لو جاءت لتسلمه إلى الكهف وترحل! لم أعد أتذكر ملامحها، تتشابه معه ببعض الملامح وتتناقض! خال لي أنه فنان يعشق الألوان، وفرشاته تغزل من الصمت هيئات تنبض، وبحضوره المطفأ عشقا للوحات تنتشي لأول مرة، لوحاته المنسية معلقة على جدران الحياة! يخرج من دهاليزها الغامضة ليعود مرة أخرى يبحث عن الأشياء المفقودة، يسخر من تماثيل تتحرك في اتجاه اللامعنى! أي إنسان هذا الذي غير المعقول في زمن اللامعقول، ينم عن حضور عابر ثم اختفاء مطلق، أي إنسان هذا ناسكا كان أم لا صلة له بالأديان! هل هو نجم أو منجم تحاصره غياهب السموات وما يسطر من تنبؤات!

الكاتب

أرشيف الكاتب

الذاكرة البشرية

قبل أسبوع

صدى العازف

قبل 3 أسابيع

منهجية الترحال

قبل شهرين

جمالية الصمت

قبل 3 أشهر

النفس المزمنة

قبل 3 أشهر

الفبركة

قبل 4 أشهر

أثينا الجميلة

قبل 4 أشهر
كتاب وآراء