صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

صعود

صاعدا جبل الحقيقة بعكاز مشروخ وقدمين حافيتين، لا يبالي بالصخور النافرة إن تدحرجت لتعيقه عن مواصلة المسير. يلف رأسه بخرقة الصبر ويختبر امتحان الأيام ووعورة السؤال الذي يضج في رأسه منذ أن تفتحت روحه على الدنيا ورأى انقلابها في الفصول. إنه الحكيم الذي احتشدت في قلبه تناقضات الكون فقرر أن يعتلي قمته ليرى المشهد كاملاً. وفي الطريق إلى الأعلى، حيث الدروب تتفرع والمنحدرات تتفتح على هاويات سحيقة، يتلذذ بالاقتراب من الحافة، ويستأنس برؤية الأشياء من الزوايا الصعبة. وحين يصل في النهاية، يكتشف أن البداية هي ما يدوم، وأن النهايات مجرد أمل عفوي لا يتحقق حتى في الحلم. وأن دوران الشمس والقمر، وتبدلات الحياة والموت، هما مجرد انعكاس لشيء واحد. شيء لولا وجود المرآة في عيوننا، لما رأيناه منفصلا في شيئين. وما من حكيم صعد الى جبل الحقيقة، إلا ومات هناك متجمدا من الذهول. بعد أن يكتشف في نهاية الرحلة بأنه كان يفتش في الفراغ عن الفراغ. صاعدا جبل الكلمات بعكاز هو قلم كبير. وبقدمين أهلكهما الخوض في المتناقضات، يضع الشاعر قدما في النار وأخرى في الثلج ويختبر اتحاد العناصر في قلبه، وتنافرهما في الطبيعة، واتحادهما من جديد على الورقة. في كل يوم تنقلب الحياة في وجدانه وتتبدل الشوكة الى زهرة، وتتبدل الزهرة الى عود يابس يحمله طائر الخوف الى عشه، فتذروه الرياح في لحظة غضب. وفي القصيدة يكتب الشاعر عن الشجرة التي تحدّت العاصفة بقوة لأن جذورها امتدت عميقا في الأرض. وعن سعادة الفقراء بشقائهم، وعن المرأة التي أغواها قمر الحب فأهدته قلبها في لحظة اكتمال البدر، ولكن في الصباح لم يجدوا في شرفتها سوى زهرة من فضة، وورقة تشبه القصيدة ولا تشبه الشاعر. صاعدا الشلال، متحديا قوانين الخوف. يبدأ المغامر رحلته بالقفز على صخور الحاجز الوهمي الكامن في العقل. والحياة بالنسبة إليه، هي ذهاب دائم للارتواء من أصل النبع لا من فرعه أو تفرعاته. السباحة مع التيار هي عادة الجبناء المستسلمين الى الخوف من المصير الملغز، والوقوف على شاطئ الفرجة هي عادة المترددين الذين لا حلٌ يستقيم لهم ولا ترحال يشدّهم لاقتناص لحظة الحياة. ولذلك يظل هؤلاء متسمرين في مكانهم بأرجل مشلولة، فيما الشجعان يعبرون نهر التحدي، ويصلون ضاحكين الى الجهة البعيدة التي منها يبزغ النور وفيها يبدأ الفجر. صاعدا فرس الريح، حاملا رمحه على شكل غصن فيه وردة، وحاملا قلبه على شكل درع. متحديا فرسان الفضيلة الذين اصطفوا جيوشا في طريق من يحب. لا يبالي لسهام المتربصين حين يعبرُ صائحا: أموت لأجل عينيك ولا أبالي إن نزفت جروحي. إنه العاشق الذي لا تكتمل رؤاه إلا بعناق الشمس. ولا يشعر بجدوى الوجود إلا حين يقبّل مرآة روحه، فيرى وجهه فيها متلاشيا في غمرة النعيم الأبدي الذي اسمه الذوبان في الآخر والفناء فيه. صاعدا جبل الحياة.. حين أشرقت من فوقه الشمس ورأيت فيها وجهك صفحة بيضاء لقصيدة تكتب للتو akhozam@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

لحظة وطن

قبل أسبوعين

عشبة الخلود

قبل 3 أسابيع

حبيب الصايغ

قبل شهر

سيدة المحطة

قبل شهر

خطوة العقل

قبل شهر

مجهر الحب

قبل شهرين
كتاب وآراء