صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الإعلام يصنع أم يغطي؟

لو حاولنا أن نقرأ المشهد الإعلامي في أحداث مصر الأخيرة، بكل مهنية وحيادية، فسنجد إعلاماً حاضراً، وآخر غائباً، إعلاماً رسمياً ضعيفاً، وإعلاماً أجنبياً مؤثراً. فمنذ البداية ظهر الجهاز الإعلامي المصري رغم ما يملك من عدة وعتاد، وجحافل جرارة من الموظفين البيروقراطيين، والمتكلسين على كراسيهم القديمة للتنظير والأستذة، مأخوذاً على حين غرة، وبمفاجأة من العيار الثقيل، فأبدى الارتباك والانفعال والصريخ بالصوت العالي، الخالي من الحجة والقرائن واللعب السياسي والإعلامي المهني. اكتشفنا أن لا خطة طوارئ لديه، ولا احتمالات لمعالجة الأزمة، فكثرت الاجتهادات الشخصية الخاطئة والمبنية على العواطف والمشاعر، وردة الفعل على ما يقوله الإعلام الأجنبي، لا على الحقائق من قلب الميدان وتعاط مدروس مع الخبر، وبالتالي انحاز للسلطة السياسية التي كانت في وضع مهتز بكل عواطفه ومشاعره ورده للجميل بطريقة جاهلة، فظهر في موقف لا يرضي الشعب المتظاهر، ولا يسعف السلطة السياسية، لذا غاب الإعلام المصري الرسمي في الأيام الأولى للمظاهرات، فقد ظلت بعض محطاته تذيع أفلاماً تسجيلية عن معبد أبو سمبل ومقابلات قديمة مع الآثاريين. وفي الأيام التي تلتها ومع تطور سير الأمور، وظهورها في الإعلام الدولي، اكتفت كاميرات مبنى ماسبيرو العتيق أن تطل من شرفاتها على شارع ضيق على النيل دلالة على خلو الشوارع من المتظاهرين، وأنهم حفنة قليلة، وشرذمة يعدون على الأصابع، ولا أعرف لمن كانت هذه الرسالة موجهة، هل للسلطة السياسية التي باتت تعرف كل شيء، أم للمواطن المصري البعيد في القرى والنجوع، أم لدول العالم التي لا تشاهد التلفزيون المصري؟. هنا ترك الإعلام المصري الرسمي الساحة الإعلامية خالية من وجود كوادره مما أتاح فرصة ذهبية للإعلام الآخر أن يظهر وبصورة طاغية غطت تفاصيل الأحداث التي تريدها وتخدم توجهاتها، مما جعل بعضه يبتعد عن الحيادية وبعضه خانته المهنية وميثاق الشرف الإعلامي، وبدا في الساحة فريقان: فريق رسمي ضعيف ومرتبك ومنقسم، وفريق عالمي يملك كافة الإمكانيات، وقادر أن يكون في قلب الحدث ومع الناس، الأمر الذي جعل أجهزة السلطة السياسية تضيق على الإعلام الأجنبي، وتترصد للإعلاميين، وتطاردهم حتى في الفنادق، وتعتقل بعضهم، وتعتدي على الآخر، وتقوم بقطع الإرسال والبث عن بعض المحطات رغم الاتفاقيات الدولية في هذا الشأن، لكن الإعلام الأجنبي تحايل على كل هذه الطرق بما يملك من إمكانات مالية وفنية، وقد حدثت انشقاقات عن الجسد الإعلامي الرسمي والبراءة من مسؤوليه، كما حدث لوزير الإعلام ونقيب الصحفيين، حتى الإعلام الألكتروني الذي يلعب اليوم دوراً فعالاً ومهماً في التواصل فيما يعرف بالشبكات الاجتماعية استطاع أن يكسر كل أنواع التعتيم وقطع الخدمة، فيما لم يسجل أي وجود للمواقع الإلكترونية المصرية! ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء