أكثر ما أكرهه أن تكون فوالتي على تصريح من هذه التصريحات الصحفية التعيسة التي تصدم المشاعر وتسد النفس على الصباح، ومن عينة هذه التصريحات تلك التي تصور المواطن على أنه بطران ينش من النوم إلى النوم، ولا يرغب في أن يحرك ساكناً وهو من الكوفي شوب ليلاً إلى حمام السباحة صباحاً، باختصار الصورة التي يروجها هؤلاء في تصريحاتهم عن المواطن الشاب تحديداً لا تعكس الحقيقة، وهي صورة مناقضة للواقع تماماً بل وظالمة في المقام الأول·
وبعضهم يصر على وضع المواطن الشاب في صورة ذلك البطران الذي لا يقنع الا بأن يتولى منصب المدير العام في المؤسسة، أو مساعد المدير العام على أسوأ تقدير، وهو قبل أن يتقدم بأوراقه للعمل لا يسأل عن العمل أو طبيعته بل تشغله الكشخة، ويؤرقه البرستيج والمواطن الشاب بحسب هؤلاء لا يقنع حتى بمنصب رئيس قسم في المؤسسة، أو الدائرة·
ويزيد هذا البعض في رسم الصورة الظالمة عن المواطن الشاب من أنه لا يسعى للعمل بل يجب أن يطرق العمل بابه مرة ومرتين وثلاثاً حتى يتكرم هذا المواطن الشاب ويفكر بفرك شعر رأسه ثم تترك له جهة العمل شهراً أو شهرين أو ثلاثة حتى يبدي رأيه ويتعطف ويقول موافق أم لا·
ثم يزيد هؤلاء الطين بلة عندما يتحدثون عن إمكانيات الشاب المواطن ومدى تحمله لطبيعة العمل، ويسوق كل منهم عشرات الصور السلبية حول أداء المواطن الشاب، ولا يتورع بعض هؤلاء المسؤولين الذين تصدمنا تصريحاتهم ونتقزز منها دائماً جمع كل المتناقضات الشائعة بين البشر والصاقها بهذا المواطن الشاب، فهو لا يلتزم بالدوام، ولا يلتزم بالحضور والانصراف، ولا التوقيع في كشف البصمة الالكترونية، وإذا دخل المكتب فهو يجر رجليه جراً، وإذا جلس على المكتب فهو بين اليقظ والنائم، ولا يكفيه تنكر قهوة حتى يفيق من الرقاد·
وحسب هذه التصريحات الظالمة والمؤلمة في آن واحد لأن المواطن غير منتج وهو لايصلح للعمل في البنوك، ولا في قطاع التأمين، ولا في السياحة والفنادق، ولا في التدريس، ولا في كذا وكذا·
كنت أظن أن هذه النغمة انتهت منذ سنوات ولكن للأسف الشديد لا يزال البعض يعيش على أوهام الماضي ولا يزال هذا البعض من صغار الموظفين على ولائه المعهود لتلك الاسطوانة المشروخة التي كانت سائدة قبل عشرين عاماً، والتي كانت تروجها بعض أجهزة الإعلام حول أداء المواطن ودوره في التنمية الوطنية·
وعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على انتاج هذه الصورة النمطية الكريهة التي يحلو للبعض ترويجها عن المواطن إلا أن البعض لايزال يعيش في غيبوبته، بل أن هذا البعض لم يفق بعد من هذه الغيبوبة، ولم تر عينه حتى الآن آلاف المواطنين الذين تزخر بهم مؤسساتنا الحكومية والخاصة، والذين ينتجون ويبدعون ويتصدرون كل اسهام في التنمية الوطنية·
وأنا هنا اليوم لست بصدد الدفاع عن شبابنا، فهم ليسوا في حاجة لمن يدافع عنهم، ولكن تمادي بعض صغار كبار الموظفين فرض لفت الانتباه إلى خطورة هذه التصريحات التي يطلقها البعض والتي لا تستند إلى موضوعية بل وتفتقر إلى العدل·
ولكل شاب طامح نقول: البلاد بلادك، وواجبك العمل والنهوض بها، أما هؤلاء الذين غابت عن بعضهم حمرة الخجل فليس أمامنا إلا أن نستعوض الله فيهم عله يبدلنا خيراً منهم في مواقعهم التي يغلقون من خلالها الأبواب في وجه المواطنين·