صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

شكراً لساعي البريد... من منا لا يتذكر تلك العبارة البسيطة التي تكتب على ظروف الرسائل من الناس البسطاء لساعي البريد، من أجل أن يهتم قليلاً برسائلهم ويحرص عليها ويوصلها إلى أهلها دون بطء، كلمة الشكر المقدمة تلك ربما كانت الأجر المعنوي الذي يدفعه الناس الكرماء له، لأنهم يعرفون كم يتكبد ساعي البريد خاصة في القرى البعيدة إلى أن يوصل كل رسالة إلى صاحبها، ساعي البريد كان في الزمن البعيد هو من يكتب بعض الرسائل، ويمكن أن يضع اسمه طي متن الرسائل المتبادلة بين المحبين، وهو من يقرأ بعض الرسائل ويحمل السلامات للناس البعيدين الذين لا تنقص أهلهم إلا رؤية وجوههم·
رحلة ساعي البريد مثل قصة البريد الذي بدأ على ظهور الدواب والعربات والحمام الزاجل والدراجات وانتهى بالبريد السريع على متن ظهور الطائرات وأصبح اليوم إلكترونياً عبر شبكة عنكبوتية رهيبة، مروراً بالبريد الجوي والبحري أو السطحي وبأيدي الناس المسافرين أو في عاروك أو نقل الرسائل شفاهية والتي تحمل السلامات والأخبار إلى الرسل والمندوبين والسفراء والحقيبة الدبلوماسية·
وفي المدن الأوروبية حين يخطط لمدينة أو لحي يكون أول ما يخطط له هو مبنى البريد المركزي ومحطة المواصلات، في البريد الأوروبي بفروعه في كل مكان، تستطيع أن تنجز كل أعمالك بما فيها حسابات البنوك ونقل الأثاث وانتهاء بتصوير ورقة مطلوبة أو تصوير شخصي أو إرسال ورود المناسبات العزيزة·
وساعي البريد في كل مكان له لباسه الرسمي وحقيبته الجلدية وقبعة الرأس التي يعتمرها وهو عادة ما يكون صديقاً للجميع وأميناً على أسرارهم، يقابل الناس بابتسامة وإن كان يحمل لهم في طي الرسالة التي سيسلمها لهم خبراً سيئاً، حدوده باب المدخل، ما يجري خلف الأبواب والجدران قد يحمله في رد رسالة مغلقة لا يدري عنها شيئاً وقد لا يعنيه إلا وصولها سالمة وفي موعدها·
تناولته السينما والكتابات الأدبية في بلدان العالم، منها أفلام ساعي البريد و ساعي البريد لا يقرع الباب مرتين و البوسطجي صورته لا تختلف في كل العواصم ذات التقليد الحضاري مثل إنجلترا وسائر بلدان أوروبا وفي بعض الدول التي أسس الاستعمار فيها تقاليده الحضارية كبلاد الشام ومصر وبلدان المغرب العربي والهند، وحدها الدول الجديدة في الخليج خرجت عن هذا التقليد واكتفت بصناديق بريدية رصاصية، صامتة·
وحين هاجم الهاتف بيوتنا وفيما بعد جيوبنا، انزوى ساعي البريد، واكتفى الناس بالاتصال، وما عادت الرسائل هي الوسيلة، واختفى التأنق في خط الرسائل وتدبيج العبارات الإنشائية المحمومة، أو تلك الرسائل التي ينحتها الأدباء لغة وشوقاً ومحبة للجميلين في الحياة، اختفت الرسائل المعطرة والتي تحمل أوراقها وروداً مجففة، وأصبحت العلاقة الحميمية بين شخصين كلمات ضائعة في الهواء وما عادت صناديق الرسائل الجميلة تحمل ذكريات الأيام التي ذهبت، حتى موجة الكاسيت التي كان يبث فيها الرجل الغائب أحلامه ووقائع أيامه في الغربة، سرعان ما هرمت مبكراً·
اليوم ·· أشياء كثيرة نفتقدها في دوران عجلة الحياة، نتذكرها بين حين وآخر، مثلما نتذكر شيئاً جميلاً كان هنا أو مر من هنا·· مانحاً حياتنا لوناً تفتقده اليوم، تماماً مثلما ترجل ساعي البريد ولم يعد اليوم أحد يراسله أو ينتظر قرعه للباب الذي عادة ما يقرعه مرتين··

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء