في العزلة تنتابك فرديتك، تستولي عليك، تطوقك بخلاخيل جانبول سارتر، ومورلوبنت وسيمون ديبوفوار، يقولون لك هكذا أنت الفردي، الواحد، هنا أنت، هنا واحديتك النبيلة، من دون رتوش أو خدوش، من دون زيف أو أقنعة، ذاتك المتفردة، تتبوأ منصب النقاء والصفاء دون حواشٍ، أو هوامش، أو عيون تتربص أو تتلصص، كل ما في الأمر، أنك بلا ضجيج أو عجيج، هكذا تبدو ولا شيء غيرك يقلقك، ويبدو الآخر من خلف غشاء الغيمة أصغر من حبة قمح، وأكبر من الكرة الأرضية، وتكون أنت صادقاً، وبلا سوء نية، تكون أنت في الموقف موجوداً، مثل مركز الدائرة، وحولك المحيط، حولك الآخر جميل، أصيل، تصل إليه من دون مساحيق تجميل، ومن دون مقص أظافر، ولا موس حلاقة، حبرك هذا الذي ينز من باطن الكون، من عمق الوديان المتشردة من وريدك، تكون أنت الحاكم والحالم الذي يرى العالم بعيون من غير غشاوة، ومن غير غبش. الأشياء تأتيك طواعية، حتى النجمة في السماء تبدو مثل أصابع امرأة، ندية، طرية، حتى الغيمة تبدو مثل عين غزال، مشرقة بالقطرات، عندما تكون أنت يكون العالم واحداً، يكون الآخر مثل الموجة، ناصعاً، مثل النخلة معطاء مثل الطفولة بريئاً ومن دون رواسب ولا خرائب. تكون أنت الأقل وتكون الأكثر، تكون الأجدر بالإمساك بالفكرة المجللة بالبياض، المكللة بالنشوء والارتقاء، فيحصر مارتن هايدجر ويقول «الإنسان هنا» يحضر بروتا غوراس، ويقول الإنسان هو الحقيقة. وتحضر رابعة العدوية وتقول: «مثل حبي لله لم يبق مكان لكره الشيطان». يحضر الحلاج، ويقول «أنا الحقيقة» فلا تجد نبذاً لهذا ولا مقصلة لذاك. فالأشياء تسير على ما يرام، وباحترام تمر مراكب وعيك، وتمر الكواكب والنجوم، وتدور الأرض حول نفسها بتأنٍ وهدوء فلا داعشي مرعب، ولا مرعشي مقضب، بل أنت وحدك، أنت تعيش في العزلة، في عرينك، كائن أسطوري، عاشق للحياة، مقتفٍ أثر العصافير التي تنقر حبات النشوء، وتطير محلقة في محاريب السماء، كأنها الأحلام، والطفلة الصغيرة تأتيك، تسميك بابا، وتسميها حبيباً، فاطمتك حبيبتك، وحيدك، عاشقتك، هي من دمك وأنت من ابتسامتها تستشف سحر الوجود، سحر الواجد والموجود، وفكرة الله في الخلق وفي العلة والمعلول. وهي عزلتك، سحرك وفجرك ونهرك، ودهرك.