صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

أبصرت بغداد.. فابيضّت عيناي -2-

أين ذلك الشارع المخضّر كغابة بلا نهاية، تحف به الأشجار عن يمين وشمال، يقودك من المطار إلى حاضرة الرشيد؟ بل أين شارع الرشيد الذي كنا نعرفه؟ لما يشبه اليوم مرآب البلديات؟ لما كل هذه الكتل الأسمنتية، والحديد الصدئ النافر منها كرماد يؤذي العيون؟ لما غابت رائحة الشواء بجانب النهر، والمسقوف خبت ناره، ولا سارت باشتهائه ريح الليل للمشائيين؟ لا تقولوا إنه ما عاد هناك خبز صمون وراشي ودبس، وأن الناس ما عادت تعمل التمر المدبّس أو المعسل بالسمسم وحبة البركة، والذي طعمه في الفم ما برح منذ ذلك الوقت حتى ما بعد اليوم، لا تقولوا إن خان مرجان كف عن الإنشاد والطرب وقول المقام البغدادي، وجرّ تلك النغمة الحسينية المتحشرجة التي فيها بكاء وحزن التاريخ، أما زال للشاي الطوخ طعم احتراق الحطب ودفء السماور، وشفافية الاستكانة البلور، وتلك القرقعة المتراقصة التي تعملها الخاشوكة الصغيرة بمرح وهي تمازج السكر، وتقول: لا تسكر!
أما زالت سيارات الأجرة أم الألوان البرتقالية تتألم من كسر في زجاجها الأمامي، وسائقوها لا يعبأوون بثرثرتهم وتعليقاتهم الفحولية تجاه أشياء الحياة؟ لا.. لا تقولوا إن تلك الفتاة التي ما تزال تتمطى فرحة بجغرافية الجسد، تهرع من شرفتها إلى السطح حالمة بأغنية بريئة لعبد الحليم أو حسين نعمة مهداة بارتباك لابن الجيران، غيبتها الوعود بالنيران، لا تقولوا إن تلك الدور كلها سافرت لإنجلترا، وهاجرت لكندا وأستراليا، وهربت إلى النرويج، ورحّلت إلى أميركا، لا تقولوا إن العجوز المتدثر ببدلة إنجليزية ذات صوف عسكري مقلم، ومفصلة عند “ترزي” قديم يعرفه، ومخلص له، ويعتمر قبعة وبرية لدب ثلجي جلبها له نضاله في تلك البقاع الشرقية، بعكازته التي تعرف الدرب قد مات كمداً على مدينته، لا تقولوا إنكم لا تعرفون قبره أو نسيتم اسمه ورسمه، وأين فتاتي “بغذاذ” تلك التي تمضغ لهجتها كحبة بلح ناضجة؟ و”تتشاقى” عليّ، وتخبئ عطرها عني في أماكن بمحاذاة القرط إلا قليلاً، في معصم ليته يقترب من الأنف قليلاً، وفي أماكن دافئة تقود البصيرة لها في عمى التمني ورغبة الفرح والبكاء!
لا تقولوا لي إن بغداد هذه، لا ليل ولا صدق ولا شعر ولا أصدقاء، لا تقولوا إن الكرادة تغيرت، وإن الكاظم غابت في السواد، ولا رصافة يحّن لها ولا جسر، ولا عيون تجلب الهوى ولا أحد يدري بما يجري، ليت شجني ودمعي يبلل عتبة تلك الدور، أشكو لتلك النخيل التي ضرها الرماد، ونهر له حنان الجد كدجلة الخير، وأرض السواد، والفرات جفت أضرعه، ولا فاد ما مضى أو عاد، سلام على أحبتي في بغداد.. عَدّ حرف الألف والباء والجيم والضاد! 


amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء