صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

التنوع الثقافي

منذ القدم، ومنذ أن دبت على الأرض حياة وبشر، والإمارات باحة وساحة واستراحة للعابر والمثابر، والباحث عن لقمة العيش الهانئة والشريفة·· مما جعل هذا البلد موطناً لثقافات وقيم وعادات تعيش جنباً الى جنب دون تفريق أو تمزيق، فصحراؤنا رمال على حباتها نشأت أشجار الثقافة، واقفة تطاول عنان السماء، وتسمو بالإنسان وبطموحاته وأمله للعيش بلا عناء أو شقاء· اليوم ونحن في زمن أشرعت فيه النوافذ أكثر، وفتحت الأبواب أوسع، وصار البلد الواحد وعاء يضم ويحتضن ويمتلئ بمختلف الألوان والأصناف والمشاهد الثقافية، الأمر الذي يجعلنا ندعو للتأني والتريث لئلا يفيض الوعاء، وتغرق الصحراء بما يفرض واقعاً لا نتمناه ولا نريده، فبلادنا التي تحتفي بالناس جميعاً مدعوة لأن تقنن وتزيد وتقيس مستوى التنوع بمعيار المشاعر الوطنية، وتحسب حساب ثقافة أهل الدار، فلا يجوز أبداً أن نفرط في قيمنا بمنح هدية رخيصة للآخر تحت شعار التنوع الثقافي، ففي كل دول العالم هناك ثوابت لابد من الالتزام بها والتركيز عليها وعدم التفريط بها لتصبح شيئاً منسياً بحجة تنوع لم نحسب حسابه، ولم نتعامل معه بمنطق الثابت والمتحول·· فالثابت هو ثقافتنا وهوية أهلنا، والمتحول هو هذه الأطياف المختلفة المستضافة بحب وكرامة على أرضنا·· نحن بحاجة الى هذا التنوع لأنه الجدير بخلق الحراك الاجتماعي والنمو الثقافي، لكن لابد من وضع الضوابط وسن القوانين وإقرار النظم التي تمنع الطوفان من إغراق أشجارنا الثقافية واستبدالها بأشجار الزينة التي لا ظل لها، ولا ثمر ولا رائحة· نحن بحاجة الى التنوع الثقافي الذي لا يلغي هويتنا الثقافية، ولا يقتلع قيمنا من جذورها، ولا يجتث ثوابتنا من أركانها·· نحن بحاجة الى التنوع الثقافي الذي يضيف الى ثقافتنا لوناً ورائحة، ولسنا بحاجة الى تنوع ثقافي يسحق الأصل ويكسر النصل، ويقف شاهداً على زوال ثقافة كانت بالأمس هنا واليوم قد رحلت· نحن بحاجة الى تنوع ثقافي لا يلوي ألسنة أطفالنا ولا يلوث أسماع شبابنا ولا يغير من عادات أهلنا· نحن بحاجة الى تنوع ثقافي لا يعادي الأرض التي يمضي عليها ولا يخاصم ثوابت حل ضيفاً عليها· نحن بحاجة الى هذا التنوع والاختلاف والاصطفاف القيمي لأننا شعب بحر امتد مداه من الشرق الى الغرب دون وجل أو ملل، ونحن بحاجة الى التنوع الثقافي الذي يضيف إلينا معرفة ويمنحنا التلاحق دون مجازفة، ويكلل خطا مجتمعنا بالنجاحات المرهفة، ولا يسقطنا من ذواتنا ولا يسلب حقنا في الانتماء الى هوية هي أصل ثباتنا ورباطة جأشنا، وحب الآخر لنا، كما أحببناه ورعيناه وانتمينا معه الى جنس البشرية السمحاء·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء