إنه لعب يا بُنيَّ·· قلتُ لابني الصغير، وهو يتابع مباريات الأمم الافريقية لكرة القدم على شاشة التلفزيون: إنه لعب يا بُني، مجرد لعب، فلماذا تنفعل، تبكي وتضحك وتقفز في الهواء بمثل هذه الحماسة؟ خفف عليك· قال لي وهو يشير إلى لاعب أسمر يتبختر على ساحة الملعب كالرمح، أو كالمهر، وقد عقد شعره إلى الخلف بعقدة حمراء يسوق الكرة بقدميه وهو يناور ويحاور ويسدد الركلات كمحارب قديم: إنه هو·· (ورَكَلَ ابني ركلة بقدمه، فإذا الكرة تدخل في المرمى)· بين أرض الملعب والمدرجات رقصات الشعوب الافريقية وانفعالاتها تعرض بين العنف والايقاع اللطيف·· رقصات افريقيا السوداء تملأ الشاشة: ضارب الطبل المصبوغ الوجه بأصباغ عجيبة، ينهال على طبلة بالعنف وبالليونة، بضربات الحرب مرة، وبرهافة الرقص مرة ثانية، قميصه المتماوج على جسده، بالأحمر والأسود والأصفر، يرقص على إيقاع أقدام اللاعبين، فتيات جميلات على وجوههن أصباغ كثيرة، يرقصن بمرح، مراهقون يرقصون رقصة الشيطان·· بين صرخات النشوة وصرخات الحرب تموج المدرجات، ما الذي جمع هذه الأعراق والألوان واللغات لهذا اللقاء؟ الشعوب لا تلتقي إلا في وقتين: اللعب والحرب· عادت الكاميرا لتركز على الانفلات الهذياني للألوان على الوجوه، تنطلق الصرخات لدى كل ركلة خائبة أو صائبة· قلت لنفسي، مستدركاً: ولكنه أكثر من لعب يا بُني·· تتجول الكرة بين الأقدام، مركولة، محلقة، مسددة أو طائشة، تضرب بالرؤوس وترتطم بالأجسام·· الصراع محتدم والحرب تدور· قلت: الكرة تدور كالأرض واستهوتني جملة المتعة الكروية·· إنها كالمتعة اللغوية، تسلية ومجان، لكن في اللعب كما في اللغة، الصرخات حقيقية والدموع حقيقية·· هل تعلم يا بُني ما قاله طاغور ذات يوم؟ ·· هذا الحب بيننا ليس مجرد مزاح يا حبيبتي، لقد تعلمتُ أن في حبكِ ضربات موجعة·· وأنتِ أيتها النار، يا أختي، إني أنشدكِ نشيد النصر، أنتِ الصورة الأرجوانية المتلألئة للحرية المدهشة·· ذراعاكِ تندفعين بهما نحو السماء، وأنا مِلكِ الملهمة تلامس أوتار القيثارة· رائعة رقصتكِ··