صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

الصورة والأسطورة... ليس هناك كبير فرق بين تلك الحفرة بيت العنكبوت وذلك الظهور شبه الهمجي في صورة ذكّرتنا بعهود الإنسان الأول حين كان يعلوه الغبار والطين والشعر المستشرس، وبين الصور التي نشرتها جريدة الـصن الشعبية للرئيس العراقي المخلوع صدام، والمتفحّص العميق للصورتين لا يرى من خلالهما إلا أمرين: أمر يراد من خلاله تحطيم الأسطورة والصورة الجليلة والمهابة التي كان يظهر عليها صدّام والتي من أجلها عمّر شوارع بغداد وغيرها من المدن العراقية بالتماثيل البرونزية والجصيّة وفي مختلف الأوضاع، محاولاً مرّة أن يقتنص من التاريخ البابلي والسّومري حكاية مجد لصورة الزعامة الحديثة، ومرّة في اتجاه التاريخ العربي والإسلامي، ليكرس قادسية جديدة وبطلاً كان ناصعاً في معارك الفتوح·
ومن خلال أمر تحطيم الأسطورة والصورة يمكن أن يقلّصوا -كما ادّعى الأميركيون في تقاريرهم- من هجمات المقاومة التي تشن ضدهم في الشوارع والمدن، والتي لم يظهر لها تعريف صحيح حتى اليوم أو مصطلح يتفق عليه من قبل الطرفين كعادة المتخاصمين، فما يمكن أن نسمّيه مقاومة، يسمّيه الآخر تخريباً، وما يمكن أن يسمّى معارضة كان صدّام يسمّيه أتباع الشر والمنهزمين الأنذال، أعوان الحيّة الرقطاء·
والأمر الآخر كما يتراءى للمتفحص العميق في الصورة، أن لدى الأميركيين مشروعاً آخر لصدام، هذا المشروع قد لا يبوّئه سدّة الحكم ثانية، ولا يرجعه إلى عزّ وقوّة زمان، ولكن خلق أسطورة له صغيرة وجديدة، ستنمو وتكبر مع العاطفة والرأفة والإنسانية بعيداً عن جرائم الحرب ومحاكمات التاريخ·
هذه الصور تظهر كثير التعاطف مع الرجل، سواءً في حفرته أو سجنه، فالتسلل إلى الحفرة مثل التلصص على الرجل في غرفته، غير أن ما أظهرته هاتان العمليتان يراد منه أن يصبّ في خانة الإنسان الجديد والطيب والمنهزم والحاكم العبرة الذي يمكن أن يخرج من محاكمة التاريخ بتزوير التاريخ وإرساله إلى بلاد شمالية باردة حيث الشجر، وحيث لا ضجر، وحيث يمكن أن تنهي الأسطورة نفسها·
قد يكون الرجل لا يعرف عن الصور أو لم يرها وحتى إن رآها فقد لا تعني للأسد الهرم اقتلاع ناب أو كسر مخلب أو إبقائه ضمن حظيرة السيرك المتجول·
ولو قرأنا أيضاً هذه الصور قراءة فنية، فالمصوّر مستريح وهو يلتقط هذه الصور، أي أنه قادر على أن يلتقط أنفاسه أثناء التصوير، أي أن المكان آمن والأمن مستتب، وقد تكون كاميرا ديجيتال لنقاء الصورة وقربها أو ثبات الكاميرات المزروعة أو المبثوثات في أكثر من مكان، وأمر آخر من ذا الذي يعرف جحر صدّام أو سجنه المسيّج والمحوّط بالأميركيين وبالأسوار وبالسيّاج والأسرار؟ من ذا هو القادر أن يخترق كلّ هذه الموانع ويصل إلى عرين ذلك الأسد الهرم الذي تحوّط صورته تلك الأسطورة·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء