أمام مأساة الناس في غزة يتضآءل كل شيء، فنجد أنفسنا نهرب من جحيم المعارك التي نعيشها عبر الشاشات لحظة بلحظة إلى أي شيء يلهينا أو ينسينا ما يحدث، لكننا نعاود القبض على جهاز التحكم نفتش عن آخر أخبار غزة التي سكنتنا مأساتها اليوم، وسنبقى مسكونين بالكوارث والمجازر، ما لم نصرخ كلنا، كل الناس في طول العالم العربي وعرضه: أليس فينا رجل رشيد؟ متى سنكف عن البكاء أمام الشاشات، وهز الرؤوس عجزا واستياء، وتبادل الرسائل النصية الداعية للدعاء والصوم لأجل الإخوة الذين يذبحون على الهواء مباشرة؟ إن فعل العجز ومصمصة الشفاه وعبارات التخوين وقذف اسرايئل بدعوات الموت والعنة فقد آن الأوان لمراجعتها كمنهجية مقاومة لا تغني ولا تسمن من جوع !! لقد استمعت إلى حديث أحد الشخصيات المنتمية إلى حماس فوجدته يكيل الشتائم إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب، ووجدته لا يعترف بهيئة الأمم المتحدة ولا يرجو منها نفعا ولا ضراً، ووجدته يقول إن عمرو موسى عاجز متواطئ وعباس خائن، وأنه لا فائدة سوى بالدعاء وفتح معبر رفح والمزيد من التبرعات !! فتوقفت طويلا أمام ما طرحه الرجل لأجدني أتساءل: كيف كان لحماس أن تحكم دولة وتتعامل مع المجتمع العربي والعالمي، طالما هي لا تقيم أي اعتبار لرموز هذا المجتمع ومؤسساته؟ كيف يمكن لحماس أن تطلب تدخلا عربيا ودوليا وهي تخوّن الجميع ولا تعترف بأحد لا بالجامعة العربية بيت العرب الأول الذي مازال رغم ضعفه وتهالك قواعده وبرغم النوائب وصروف الدهر يحتمي به الجميع حين تهب العواصف، كما لا تعترف بفاعلية الأمم المتحدة ولا بالاجتماعات الوزارية ولا بالرئيس أبومازن؟ إذن فمن ذا الذي يمكن أن يتوسط أويضغط لإيقاف المجزرة وحفظ هذه الدماء المتدفقة في كل مكان من غزة ؟ منذ ستة أيام وإسرائيل تعبث في غزة وتتوغل في دماء أطفالها وشبابها ونسائها بلا خجل ولا خوف ولا حرج، ومنذ ستة أيام لم نسمع فيها سوى خطاب عباس ولقاء متلفزا مع خالد مشعل من مكان لا نعلمه ومع هنية من مكان مشابه، أو فلنقل من أمكنة محصنة وسط تسريبات إسرائيلية توكد أن إسرائيل لا تستهدف اغتيال هنية أبدا، فما هي الرسالة التي وصلت للجماهير يا ترى؟ القادة الذين وضعوا رؤوس الناس تحت المقصلة بعيدون تماما عن مرمى النيران، محصنون بعيدا عن القذائف والصواريخ، كبقية القادة السياسيين في فتح وحماس، وليصرخ فقراء غزة ليل نهار مطالبين العرب بالتحرك، ثم ليؤكدوا أمام كاميرات العالم بأنهم صامدون صامدون حتى آخر طفل وامرأة فيهم، فأي منطق هذا؟ أما نحن العرب، المستريحون على أسرتنا وكراسينا الوثيرة كما يقولون عنا، فنحتمل معاناة تأنيب الضمير والشعور بالعجز لأننا لا نستطيع أن نحرك ساكنا ولأننا غير راضين عما آلت اليه قرارات اجتماع وزراء الخارجية العرب، لكننا لا يمكن أن نطالب بقتل عباس وغلق الجامعة العربية ودفن الامم المتحدة والتمرد العارم في كل الوطن العربي، فهذه الفوضى لن تقود إلا إلى هلاك الجميع، علينا أن نتعامل مع معطيات هذا الواقع الذي صنعناه بأيدينا وأن نحاول تغييره قدر استطاعتنا بتوجيهه نحو المؤسسية فبدون مؤسسات وحياة ديمقراطية فاعلة ومستقرة لن نصل الى ما هو أفضل من كارثة غزة· ayya-222@hotmail.com