صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

نحو عام جديد!

من عام إلى عام، ومن روزنامة إلى روزنامة، نشد الرحال مع الراحلين، ومن الرحيل إلى الرحيل، ننقل أحلامنا، وأوهامنا، وأمنياتنا، وشعورنا بأننا وصلنا، أو لم نصل، ونجحنا، أو لم نستبشر بالنجاح· لسنا وحدنا في الدروب الراحلة، لسنا وحدنا في محطات القلب، والأمل، والبحث عن الطقوس الجديدة، والمدن الجديدة، وخرائط التضاريس الجديدة، فمن الحلم إلى الحلم ثمة أطفال ينقلون معهم ألعابهم إلى زوايا جديدة، يكادون يخبئونها عن بعضهم البعض، وتكاد الألعاب تشكو بعضهم إلى بعض! ولكن الفرح الآتي من براءة الأطفال هو أول الراحلين في نهاية عامنا المنصرم، غصات هنا، ونشيج هناك، حزن وأسى هنا، وقليل من الفرح هناك· ثمة جدات وأمهات طيبهن العطر، وعطرهن الخير، يبتهلن ابتهالات الحب الأبدي، المتجدد مع شمس الصباح الجديد، يفطرن على الدعاء للغائب البعيد والذي تأتي محادثاته القليلة متكاسلة وقصيرة من هناك، ثمة أخوات لهن رائحة الزعفران، وطعم الهيل، ما زلن يبحثن عن أسماء لبكور إخوانهن من الذين لم تأسرهم بنت الحلال بعد، ثمة نساء يشعلن القلب، يصلن الدعاء بالدعاء، والحب بالعتب، والحنان بالغضب، لا يحبذن الخروج من دائرة السكون إليهن، والركون تحت فيء غيمتهن، ولا تزعل، ولا تحنق، لأنهن عنوان الحب، ولا يتعبن من ثقله، ووزر حمله، ثمة عمال أجهدهم السهر، وأعباء اللقمة الحلال، وثمة موظفين أعياهم الإخلاص، فلم يهنوا ولم يحزنوا، ثمة أناس كثر لهم زواياهم، ولهم آمالهم، ولهم آلامهم· إنهم يرحلون من عام إلى عام، وترحل معهم مدنهم الصغيرة، وقراهم البعيدة، وبحورهم التي لم يروا زرقتها منذ أعوام، ترحل معم شوارعهم التي كانوا يعرفونها، واليوم تتغير بسرعة بعيدة عنهم، ترحل معهم سياراتهم مستودع أمانيهم وذكرياتهم القديمة، ترحل معهم حدائق الورد في بيوتهم أو في أحلامهم· ترى هل ترحل معنا كل أشيائنا إلى العام الجديد؟ وهل يليق النسيان بما مضى من عام أو أيام، من سنوات الحب والحلم وذكريات الطفولة، والشب عن الطوق، وملابس الرجولة، وسفر الذاهبين، كلمات المودعين، ضحكات الأصدقاء، لحظات الوجد والعشق، وصوفية الهيام، المحطات التي أوصدت بواباتها أمام جنوح التحليق، ومزاغاة الريح، المحطات التي شرّعت بواباتها أمام أشيائنا الجميلة الملونة· هو إذن رحلينا الخاص في رحيلنا العام، رحيل الفراشات في دروب الندى، هكذا هي تطير، ولا تعرفها، تسير في درب شذى جنان الورد، تتبع أريج الأقحوان، وعبير زهر الليمون، وعبق الرمان، أو يسحرها وهج لسان النار، فتغادر فرحة بحلمها، وبريق برائتها نحو اللون المخادع في الليل، فتقتلها رائحة أجنحتها الرهيفة، والناعمة، والملونة· إلى كل الغالين·· سنة جميلة بكم، وسعيدة معكم·· ودمتم·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء