جلست تنتظره على الكرسي الخشبي حيث تركها، غارقة في ذكرياتها الجميلة، متجاهلة ما حولها وصوت البحر وهدوء المكان، برقعها التقليدي الذي حال لونه إلى السواد يخفي تجاعيد الزمان ومكابدة معاناة السنين، من فتحتي البرقع تطل عيناها الذابلتان اللامعتان ببقايا ابتسامة تعكس طيبة أم حنونة، خطوط الزمان على يديها الضعيفتين المرتجفتين، عباءتها السوداء المعتركة المهترئة وثوبها الأخضر الداكن، تفاصيل تعكس شظف السنين وقلة الموارد وضعف الحال.. مر شريط الذكريات أمامها بإيقاع سريع، تذكرت أول ابتسامة ابتسمها، وأول خطوة خطاها، تذكرت سعادتها وهي تراقبه ينمو يوماً بعد يوم، وأول يوم أوصلته إلى المدرسة، وأول مرة عاد وقد تشاجر مع رفاقه لتمسح وجهه من الغبار بيدها وبطرف ثوبها الذي يعبق برائحتها التي كانت تجعله يعشق حضنها فلا ينام إلا فيه، تذكرت كفاحها من أجل حصوله على ما يريد، وأول دراجة هوائية صرخ من أجل أن تشتريها، وتذكرت كل تلك الأيام والسنين، وأول يوم ذهب فيه إلى وظيفته الجديدة وكيف كان سعيداً وتذكرته في يوم عرسه، كم كان جميلاً.. تتنهد وهي تشعر بنوع من الرضا، فقد أدت الرسالة وأكملت المهمة، وها هي اليوم تفاخر بابنها الشاب الذي أصبح رجلاً مسؤولاً يحترمه الناس، تغمغم بكلمات شكر لله، وترفع رأسها نحو السماء وتدعو الله أن يحفظ ولدها من كل سوء وان يوفقه في كل حين.. لكنه تأخر كثيراً، وقد أظلمت الدنيا من حولها ولم يعد أحد يرتاد المكان، سيأتي بالتأكيد لابد أنه مشغول فهو رجل مسؤول، لابد أن لديه مئة عذر وعذر، وهي لا تريد إزعاجه بالاتصال خصوصاً أنه حرص على ترك رقم هاتفه وعنوانه لديها لتتصل به إن كان في الأمر ضرورة.. تدس يدها في جيبها وتطمئن على الورقة التي أعطاها لها فيما لو دعت الضرورة للاتصال به، تشمها لعل بها شيء من رائحته، تقبض عليها وتلصقها بصدرها ناحية القلب، قبل أن تعيدها إلى جيبها مرة أخرى.. منظرها وهي جالسة في المكان نفسه لساعات طوال، أثار شفقة شابين مرا بها مرات ومرات وهما يتريضان، بل قد أثار فضولهما فجعلهما يتوقفان لعرض المساعدة.. لكنها قالت إنها تنتظر ابنها وسيأتي قريباً، ذهب الشابان وبعد ساعة ربما مرا بقربها مرة أخرى، سألاها إن كانت قد اتصلت به فالوقت قد تأخر فعلاً، ردت: لا بأس فهو سيأتي لا محالة، لكنه ربما يكون مشغولاً أو ربما يكون في الطريق، ثم انها لا تملك هاتفاً لتهاتفه.. أصر أحدهما على الاتصال به، فطلب رقمه منها، فناولته الورقة التي تركها ابنها للاستخدام عند الضرورة.. قرأ الشاب المصدوم ما كتب على الورقة بصوت غير مسموع: أرجو إيصالها إلى أقرب مركز لرعاية المسنين..! أمل المهيري amal.almehairi@admedia.ae