صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

أبصرت بغداد.. فابيضّت عيناي -1-

كيف تأتي المصادفات أحياناً متتابعة وغير منتظمة كتصفيق صبية فرحة بكفيها المحناة؟ هكذا.. قبل أيام كنت أقرأ عن بعض مقاهي بغداد وتناثر المثقفين من حولها وغيابهم القسري نحو أوجاع اليوم وتعب الفاقة، ومحو تفاصيل مدينتهم التي يحبونها كماء عيونهم، فكان الشوق وكثير من التوق لتلك المدينة، ففز القلب كحمامة بيضاء أجفلتها الريح وخشخشة الورق اليابس، ملقياً ذلك الحنين الذي لم يغب، وطال الغياب، فتمنيت لو أنها تأتي تلك الأمنية التي زاغاها القلب بخطفة ملك يوزع البشارات.. خبأت تلك الفرحة الباردة، وأغمضت عيني، وتذكرت عاداً على أصابعي كتلميذ غير نجيب في الحساب، لأجد أن الوداع الأخير قد مضى عليه واحد وعشرون عاماً إلا أياما.
بعد يومين، جاءني هاتف سنذهب إلى بغداد، فتذكرت الأمنية وتلك المصادفات التي تشبه إيقاعاً غير منتظم لكفي صبية محناة، ترى كيف هي بغداد؟ وكيف هي أحوالها بعد أعوام طوال وثقال؟ أما زال ذلك الفجر الندي له بعض من عطرها؟ وتلك اليقظة الصباحية لبيوت كانت ساهرة وعامرة بأهلها الذين يحملون تلك الرفعة، وذلك الاعتداد بالنفس الصادق، أما زالت تلك البنات القادمات من جهة أكاديمية الفنون الجميلة يتضاحكن للمستقبل وللون حين يصبح طابعاً للحياة؟ أما زالت أصابعهن الرفيعة كأعواد الأراك تتخلل ذلك الشعر المشاغب المنثال على الجبهة والعين، يفعلنها دلاً وغنجاً ما زالا يكبران مع الأنوثة التي تتستر بالقميص الأبيض عادة، أما زال سوق الشورجة بتلك الروائح التي تعلق بالثياب وتشهد عليك الناس أنك مررت ذلك النهار من هناك، وسمعت ورديت «الله بالخير» على المارين غير المستعجلين، وعلى الواقفين أمام أبواب حوانيتهم يتفحصون المتسوقين؟ أما زال شارع المتنبي ودكاكين الورّاقين والكتب المتربة؟ أما زال سوق الصفارين؟ هل خف ضجيج مقهى الشهبندر؟ أما زالت تلك العجائز المفترشات الأرض يبعن القيمر وحاجيات تصنع في البيوت؟ يسرقن من وقتهن ويدخن التتن، وسجائر من ضجر، ليتهم لم يخربوا قوس وسيف النصر، وتلك اليد العربية القابضة على شيء من مجد! وأخاف أكثر ما أخاف على كهرمانة ولصوص علي بابا، تمثال أبي جعفر المنصور قيل لي إنه قطع رأسه انتقاماً للتاريخ، والسعدون.. شارع السعدون أما زالت تلك المكتبات التي تتوسد الأرصفة تقرأ فيها المشهد العربي؟ وواجهات زجاجية يمكث عندها الناس متأملين ما يعرض من بضائع سيفرحون لو انتقلت إلى خزائن ملابسهم، هل أم كلثوم ما زالت تصدح بالغناء في مقهاها؟ لا.. لا تقولوا إن ليل بغداد تغير، وإن أبا نواس يذهب للنوم مبكراً، غير مسامر شهرزاد أو فريدة، وإن البلم صار يقلبه أقل موج دجلة.. كنت بحاجة إلى صوت أم لأقول لها دثريني يا أماه، لقد أبصرت بغداد.. وابيضّت عيناي! 



amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء