صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذمر 2

المتذمرون مرض عضال وسيوف صقال، قواطع أنيابهم زرق ومخلبهم حاد ومحدق، هم عقبة كأداء شائكة مربكة، حقدهم للبياض، ككراهية الخفافيش للنور·· مقبوضون، متأزمون، متربصون دائماً، فالحركة تغيظهم والتطور يصيبهم بالمغص وأزدهار الآخر يلفهم بصداع نصفي لا شفاء منه·· المتذمرون هواة صيد لأخطاء الآخر، متمرسون في الخوض في اللوم وتوجيه السهام· يرون العالم وكأنه طائرة مخطوفة فقدت المسار، وخاطفوها رفضوا الحوار، وهي ما بين الأرض والسماء تعيش في دوار·· المتذمرون لصوص يجيدون اختراع الوسائل المستحيلة لسرقة الفرحة من عيون الآخرين، ويتفننون في صناعة الحجج الواهية والأعذار في أن ما يفعلونه هو من أجل الصلاح والفلاح، وأن ما يشيعونه هو خلطة سرية لا يفهمها إلا كل عليم عالم بأسرار النجاح· المتذمرون إخوان شياطين يلعبون ويعبثون بالنار لإحراق الآخرين وذر الرماد في طريق شائك في يوم ريح عاصف ثم يقولون للناس تعالوا فاجمعوه·· المتذمرون شخصيات هلامية ظلامية دائماً ما يصوتون للانحدار، ودائماً ما ينحازون للاندثار ولا ينتخبون إلا سيئ الأخبار·· المتذمرون شخصيات لها سمات واضحة فاضحة·· يكتسون بالوجوم ويغطسون في الهموم مشحونون حتى نخاع العظم بالغضب، ولا يحتطبون إلا في صحراء جرداء صفراء لا زرع فيها ولا ماء·· المتذمرون حلفاء دائمون للخسارة وضرب الكف بالكف، ندماً ومرارة، لا تلومهم لومة لائم، إذا حطموا نوافذ الحياة وهشموا زجاج الوقت فقط لتلويث المكان وتحويله إلى ساحة خراب· المتذمرون هياج بحر وعزوف مطر، وكسوف شمس وخسوف قمر، وتردي زمان واندحار دهر، واشتياق مذبوح لظلمة القبر، واجترار مربوط لبقايا ثمر، لاهمْ أحياء ولاهمْ شيء مندثر·· المتذمرون أشباه بشر صاغوا حياتهم هكذا واستمرأوا الكدر·· فنجاح الآخر بالنسبة لهم مشكلة، وانتصاره على الهزيمة معضلة، وتحيزه للتفوق حبائل وغربلة·· ماذا يفعلون إذاً؟ يشهرون سيوفاً ويفتحون حتوفاً ويغرقون الأرض بالشك والريبة ويعلنون أن كل ما يفعله الآخر خيبة ومصيبة· المتذمرون عاهة وآفة ومسافات واسعة شاسعة من التهور والتذمر وإفشاء حزن الخنساء على صخر· المتذمرون خوارج لاهم مع علي ولا مع معاوية هم أنصاف ضد كل ما هو إنسان، تكالبوا بغياً، وتحالفوا مع الشيطان· المتذمرون دودة زائدة، إن بقيت فلا جدوى من وجودها، وإن التهبت وجب استئصالها·· المتذمرون حالة استثنائية مداها بأس ومدارها احتباس حراري ملوث للبيئة· المتذمرون جزالة في اللغو، وسيولة في اللهو، ورعونة في المضغ، وشراسة في اللدغ، ويعتقدون مقتنعين أن اللسان الصحيح، الفصيح، النصيح الذي إذا قال أمتع، وإذا أباح أقنع، وإذا أشار صنع المعجزات من المنجزات، صاخت له الجبال الشم والبيداء بل كل الجهات· المتذمرون إذا هجوا الآخر تحدوا المتنبي في هجائه لكافور، وإذا مدحوا أنفسهم تجاوزوا نزار في وصفه المرأة الهيفاء الحبور·· المتذمرون أنانيون لو صب نهر النيل في حلوقهم لصرخوا بعالي الصوت·· ظمأ·· ظمأ··

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء