صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الحساسية والأزمة المالية!

أحد الأصدقاء ظل طوال حياته العملية يشكو من الجيوب الأنفية، ومن الحساسية الزائدة من الأشياء، والغبار، والأتربة، وأسمدة الحدائق، ومن تقلب الجو، حتى جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وبقي يشكو ويتوجع فقط من جيوبه المالية، ونسي الجيوب الأنفية، ولم يعد حساساً إلا إذا ذكر أحدهم أمامه الأسهم، وسيرتها غير العطرة، ولا يعطس من خاطره، إلا إذا طلب أحدهم منه فلوساً، أو سمعه يتحدث عن السيولة، ساعتها يسيل أنفه بصدق، ويتذكر حساسيته القديمة والجديدة! مصارفنا الوطنية أو بنوكنا العاملة ظلت فترة طويلة صديقة، ووفية لزبائنها، تسأل عنهم إذا غابوا أو احتاجوا إلى شيء، حتى ولو كان قرضاً من أجل سفرة الصيف، أو سلفة لتغيير أثاث البيت، أو عجوزاً محتاجة لتركيبة أسنان، ولم تتوان المصارف يوماً أن تقدم لعملائها حتى قروضاً لشراء يخت مثلاً، كانت البنوك حنونة لدرجة أن شك العملاء من هذه العاطفة الأبوية المتدفقة، والجيّاشة، حتى جاءت الأزمة المالية العالمية، فجفت ضروع البنوك المدرّة فجأة، وعلى عادة التاجر الخسران أن يفتش في دفاتره العتيقة، وأوراقه القديمة، فنهجت البنوك في تقليب مديونيات من أيام أسمائها القديمة، وشعاراتها القديمة، وأماكنها القديمة، وحاولت أن تنفذ من خلال ثغرات في العقود لا يعرفها الزبون المستدين، وبدأوا يرفعون أسعار الفائدة على قروض يريدونها أن لا تنتهي، وأحيوا قروضاً على أموات، مطالبين الورثة بالسداد لمديونيات لا يعرفون عنها شيئاً، ولو طلبت منهم اليوم أن يشتروا اليخت الذي مولوه سابقاً، فلن يرضوا، ولو طلبت منهم أن يقرضوك لشراء قطع غيار لليخت، فلن يعطوك، والناس حيارى، وما هم بحيارى فيما يعملون بتلك اليخوت الرابضة على أرصفة الموانئ، ولا يستطيعون تحريكها، لقد تحولت بنوكنا الوطنية من صديقة للبيئة إلى صديقة للـ''ضرائب'' والمكوس والفوائد المنظورة، وغير المنظورة، وحلّ بها إسهال البطاقات الائتمانية، دون شرط أو قيد، فقط ائتمنها، وفألك طيب بالبطاقات! صاحب السعادة الزعيم·· هو الوحيد الذي لم يتأثر بالأزمة المالية العالمية، وبقيت ''حساباته'' غير خاطئة، و''استثماراته'' صحيحة، و''رهاناته'' محسوبة، و''رصيده'' قوياً، و''قيمته الاسمية'' عالية، حتى زاد من ''حصته'' في ''اتصالات'' وينوي الاستثمار في ''السندات الحكومية'' المطروحة، منتظراً كأس رئيس الدولة في الأسبوع المقبل، وعينه على لقب ''أفضل أداء'' هذا العام، وينتظر ''شهادة التميز'' ويسعى للتفوق، والفوز بجدارة بكل ''الصفقات''!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء