صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الطوع.. والتطوع -2-

مع ظهور الموجة الدينية، نتيجة الاصطدام بالحضارة الغربية، وغياب المثال والقدوة الحسنة العربية والإسلامية المتمثلة في البطل والقائد، والمتمثلة في قوة الدولة، انتهج المتدينون الجدد نهجاً محاولين استنساخ “المجتمع المثالي اليثربي” في نظرهم ومخيلاتهم، بما في ذلك سنّ فريضة الجهاد بغية تأسيس “دولة إسلامية”، وبغية إيجاد مثال وقدوة جديدة من المسلمين الجدد، غير الصحابة، والسلف الصالح، كما يسمونهم. وقد ساهمت الكثير من الأنظمة العربية المنحلّة، والفاسدة، والمرتهنة للغير، والعسكرية في دفع التيار الديني للنهوض، بمحاربة الوطنيين والمثقفين والمتنورين، وإبعادهم عن المشاركة السياسية، ودعواتهم لانتهاج الديمقراطية، وتأسيس دولة القانون، والمجتمع المدني، معتقدة هذه الأنظمة آنذاك أن “المتدينين الجدد”، مثل “الدراويش” في عهد الانحطاط في الحضارة الإسلامية، لن يؤثروا في الناس، إلا من يركن إليهم في التكايا والزوايا، غير أن هذا التيار “المتدين”، وكان أكثرهم من فئة الشباب، ومن المتعلمين في أميركا والخارج، ومن المطلعين على التقانة العصرية، وممن لمسوا تأخر “العرب المسلمين”، وتقدم “الغرب الكفار”، فجهدت، ونشطت المؤسسات الدينية، والتنظيمات ذات الصبغة المتأسلمة في التجنيد، والتأثير، مستغلة الظروف الإنسانية الفردية، وحالة الخواء الذاتي في بعض النفوس، نتيجة عدم المقدرة على الاندماج في المجتمعات الغربية، فكونت من خلالهم خلايا عنقودية في التنظيمات الدينية السرية والمعلنة، فظهرت خلايا عاملة، وخلايا نائمة في أوروبا، ودعمهم انشقاق أسامة بن لادن، وظهوره للعلن، محارباً الآلة الأميركية التي صنعته، ورقته لأن يكون بطلاً، حينما كانت الحاجة للمتطوعين العرب في حرب أفغانستان. من هنا سيظهر مصطلح مختلف هذه المرة هو “الطوع المتطوع” أي لا يقبل أي متطوع للجهاد أو للعمليات الانتحارية أو الإرهابية، إلا أن يكون متديناً، طائعاً، فاستبعدوا كل التيارات والعقائد والملل الأخرى التي تمثل فسيفساء المجتمع العربي، ففي حروب فلسطين الخاسرة، كان يحارب جنباً إلى جنب، الإخواني مع القومي مع الشيوعي مع البعثي، والشيعي والسني والمسيحي، لكن منذ الثمانينيات، وبتأثير من نجاح الثورة الإيرانية، وإعلان الجمهورية الإسلامية، ظهر “المتطوعون الطوّع” في حروب وعمليات داخلية، في الجزائر والمغرب وتونس ومصر والسعودية واليمن، وحروب وعمليات خارجية، مثل العراق وسوريا والبوسنة والشيشان، وتخلوا عن الصومال. في تلك البلدان تجد اليمني والصومالي والجزائري والسعودي والتونسي والمغربي والمصري والأردني والفلسطيني تحت مسمى “العربي المسلم المجاهد”، يمثلون تياراً موحداً، وليس واحداً، وقد يختلفون على الغنائم والسبايا، أو يصبحون “مرتزقة” في حركات ناشطة في الميدان، ولديها أجندتها وأموالها، فيقتتلون بعضهم بعضاً! هذا المصطلح “الطوع.. المتطوع” بدأ يقلق دول الخليج، وأولهم السعودية التي سنت قانوناً قوياً في حكمه، يمنع على السعوديين المشاركة أو التطوع أو الجهاد، في البلدان التي لديها قلاقلها السياسية بغية “نصرة الإخوان”، أو “مداغشة الأعداء”! amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء