صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

أحلام وتنازلنا عنها!

كانت أمنيات العربي كثيرة، وأحلامه كبيرة، بدأ منذ وقت طويل في التنازل عنها، تنازل فيها عن أحلام اليقظة العربية، بتحرير كامل الأرض، والعودة إلى حدود ما قبل النكسات والحروب الخاسرة، وتحقيق الوحدة العربية من المحيط الهادر، إلى الخليج الثائر، تلك الوحدة العربية الشاملة التي لا يغلبها غلاب، تنازل فيها عن كل أغاني النضال، والتحرر الوطني، وعن الشعارات التي تجرح مشاعر الصهاينة في وداعة سبتهم، تخلى عن المطالبة بفتح الحدود العربية، وجواز السفر الموحد، والعملة الواحدة، وإلغاء التعرفة الجمركية، تخلى عن المطالبات الديمقراطية، وعن سقف الحريات، وبناء دولة المؤسسات، وتكوين المجتمع المدني، وخلق مجالس بلدية منتخبة، وبرلمانات وطنية منتخبة، تخلى عن المطالبة بدعم السلع الأساسية، والخدمات الضرورية، وتخفيض أسعار المحروقات، تخلى عن الشحن الزائد للمنتخبات الكروية، ومطالبتها دوماً بالفوز، لأن الهزيمة عند العرب عار وشنار، رضينا بالهزيمة الكروية، ولكن بأهداف قليلة، سترة لماء الوجه العربي، تخلى عن ربط البلدان العربية بشبكة قطارات، لأنها تعتبر الآن ترفاً، وحمولة زائدة على الاقتصاد العربي، خاصة ونحن نعيش مرحلة الإستعداد للمعركة التاريخية الكبرى، حيث لا صوت يعلو على صوت المعركة، تخلى عن المشروع المائي القومي، لأن الاستراتيجيين ومخططي الحروب المستقبلية، استبعدوا حروب المياه، لحين استكمال دولنا مشاريعها الفذة في مصانع المياه المعدنية، والقناني البلاستيكية، تخلى عن نشيد: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان كرامة لحدود إسرائيل، ولأمان الشعب المستضعف فيها، الذي تجمع من أراضي الشتات، تخلى عن الغضب العربي، لأن الغضب لم يورّثنا إلا أمراض العصر، ولم نستفد منه، إلا عداء الشعوب المتحضرة، تخلى عن كل إخفاقات الجيوش العربية، وعذابات الهزائم المتلاحقة، وجلد الذات ونقدها، طمعاً في نتيجة الموقعة الكبرى، أم المعارك، فلما جاءت ما أنصفتنا، وجاءت باستعمار جديد· تخلى العربي عن جزء من حجم الرغيف العربي، دعماً للانتفاضة الشعبية، وحرجاً من الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم بعد، تخلى عن السيجار الكوهيبي، لذة المساء، وعن ارتداء البدلات الممهورة بتوقيع المصممين العالميين، دعماً للمجهود الحربي، تخلى عن أشياء كثيرة، وأثيرة، من أجل أن تحرز القمم العربية، هدفاً وحيداً ونبيلاً، وهو إعادة البسمة للوجه العربي، كانت أمنيته من الأماني الكثيرة، وحلمه من الأحلام الكبيرة أن يحققوا هذا المطلب الوحيد، والوحيد فقط، مقابل أن يتنازل ويتخلى عن بقية أحلامه التي حشي بها الرأس العربي، عبر أجيال وأجيال من مدرس عربي مخلص وحالم وبريء· واليوم مستعد أن يتخلى أيضاً، عن هذا الهدف البسيط، وعن مطلب هذه الابتسامة على الوجه العربي، راضياً بالعبوس، والاكفهرار، والوجه المدخن، والمسخم، راضياً بكل هذه التجاعيد، والزعل البادي، والاكتئاب، وعدم انفراج السريرة، متخلياً عن حلاوة المُحيا، وطلاقة الوجة، والهشاشة والبشاشة، وقولة مرحبا، راضياً فقط بهدف أخير وبسيط أن يمنعوا الموت منه وعنه، لأنه شروع في الإبادة!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء