يبدو أن ما تشهده أبوظبي هو نوع من السباق إذا أمعن النظر إليه من زاوية شكلية بحتة· فهذا الحشد من الفعل الثقافي المبرمج واليومي، يدل وكأن المدينة النابضة بالحيوية والنشاط، تريد أن تحقق قصب السبق في ميادين سبقتها إليها مدن أخرى·· ففاز بعضها وانتكس البعض الآخر· لكن النظر من زاوية موضوعية إلى الحدث الثقافي الدائم في أبوظبي، يدل بوضوح على أن سباق العاصمة الإماراتية لا يجري مع أحد، أو ضده، أو بالتنافس معه· هو سباق مع الذات، وضد الزمن· وحينما يكون الأمر كذلك فإن المهمة تصبح أصعب، وأكثر تطلبا· عندما أطلقت أبوظبي معرضها السنوي للكتاب قبل 18 عاما، كان القول إن إضافة نشاط إلى رزنامة سنوية يتخم الرزنامة وليس الفعل الثقافي، يضمر موقفا تقليديا درج عليه الذهن الثقافي العربي في نظره إلى مدن غير تقليدية، أو غير مكرسة في منظومته الثابتة· وهذا الموقف المعياري، ظل طيلة عقود سلبيا إلى أن أثبتت التجربة بطلان حجته· بعد 18 سنة، من المعرض الأول، والندوة الاولى، والمحاضرة الأولى، تطل أبوظبي على المشهد الثقافي العربي المعاصر كعنصر فاعل فيه، عنصر صانع وصائغ ومبدع، يبث في شرايين الثقافة طاقة تغذي الأدب والشعر والمسرح والكتاب واللوحة وحتى السينما· بعد 18 عاما، أصبح معرض أبوظبي الدولي للكتاب، دوليا بالاسم والفعل، يستقطب مئات الناشرين من العرب والأوروبيين والآسيويين، ويفرد أجنحته أمام مئات آلاف العناوين، في العديد من اللغات، وفي مختلف الموضوعات وشتى حقول المعرفة· وفي المعرض، تتنقل المحاضرة والندوة والأمسية من هامش النشاط المصاحب، لكي تكون أقنية للحوار والمعرفة وتبادل الأفكار، بلا حدود تؤطر الفكر أو خطوط تؤمم الإبداع· ما يجري في أبوظبي ثقافيا، والذي يملأ المدينة على امتداد العام، يخرج بذكاء من المعادلة بين الاكتظاظ والكثافة· وهي معادلة صعبة تحتاج ممن يتعامل معها أن يتمتع بدراية وخبرة من يعمل في تفكيك الألغام· فبرمجة أنشطة كمثل معارض لثمرات الفنون من مختلف الحضارات، ومهرجان سينمائي، وأسابيع للفكر ومؤتمرات للحوار حول قضايا شائكة، وتفعيل أنشطة الشعر، وإطلاق جوائز عالمية المستوى·· كل ذلك يضع أمام القائمين على الحراك الثقافي في أبوظبي مسؤولية إبراز النوع من هذا الكم· أطلقت أبوظبي حراكا ثقافيا غير مسبوق في المنطقة، يمكن بطبيعته أن يضفي على المدينة مسوغاته الماركنتيلية، لكن المدينة الناهضة منحت للحراك معادلتها الخاصة، وهي معادلة الأصالة الفاعلة والمتفاعلة··· عـادل علـي