أستاذي شكري عياد ـ رحمه الله ـ له دور بارز في حياتي؛ فهو أول من علمني الدقة في استخدام الكلمات. أذكر أنه كان يحاضرنا في البلاغة، ونحن في الفرقة الثانية من قسم اللغة العربية. ولم يكن يملي علينا شيئا كما كان يفعل كثير من الأساتذة، وإنما كان يتحرك أمامنا في المدرجات، ويتكلم عن محتوى الدرس. ويتوقف بين الحين والحين متطلعا إلى السقف، كما لو كان يبحث عن الكلمة التائهة منه. وكان ذلك يتسبب فى شرود أغلب الطلاب. أما أنا فكنت أقوم بتدوين ما يقوله، وعندما أعود إلى المنزل وأقرأ ما قاله كنت أجد الكلام متماسكا، والجمل متصلة منطقيا، ولا يمكن استبدال كلمة بغيرها. ومن هنا تعلمت ضرورة الدقة في استخدام الكلمات. وأظن أنه قال لنا ذات يوم ما ذكره كونفوشيوس حكيم الصين من أن الدقة في استخدام الكلمات هي علامة التميز، وأولى إشارات الإبداع. هل كان لهذا الاهتمام بالكلمات علاقة بأن شكري عياد كاتب قصة من الطراز الأول؟ أغلب الأمر أن الجانب الأدبي في إنتاجه، كان له دخل في ذلك. وثاني ما أدين له هو إلحاحه على أن الناقد الأدبي المتميز يجب أن يكون دارسا للفلسفة وصاحب رؤية فلسفية، وقدرة على النفاذ عبر الممارسات التطبيقية للنقد الأدبي إلى ما يكمن وراءها. وأعتقد أن هذا هو ما دفعني إلى الاهتمام بالنقد النظري والكتابة الكثيرة في نقد النقد. وأضيف إلى ذلك تعويد طلابه على الاعتماد على أنفسهم في تحصيل المعرفة واختيار الطريق الصعب. وأذكر أنني طلبت منه مساعدتي في التغلب على مشكلة فهم التراكيب الصعبة في كتابة الناقد الإنجليزي الشهير ريتشاردز فرفض، وقال اعتمد على نفسك، واصبر، وسوف تحل المشكلة بنفسك. وقد غضبت وقتها، ولكني أدركت مع الوقت فائدة ما قاله لي. ولذلك لم يتردد ـ بعد أن استوعبت الدرس ـ في أن يساعدني على نشر أبحاثي المتميزة، وكان يكرر كلمته: لقد أصبح ذهنك تحليليا، وعقلك توليديا. وكان أسعد يوم في حياتي يوم عرفت أنني فزت بجائزة سلطان العويس مناصفة معه، والحق أنني فكرت وقتها في أن هذه المناصفة ظلم له، فهو الأستاذ الكبير وأنا مجرد واحد من تلاميذه الكثيرين، لكنه كان كريما وكبيرا وعظيما في آن، فعندما سأله أحد الصحفيين عن شعوره بعد علمه بحصوله على الجائزة، قال: لقد حصلت على الجائزة مرتين: مرة لشخصي ومرة لأن الذي حصل عليها تلميذي. لقد دمعت عيناي عندما سمعت هذه الكلمات، أو قرأتها، لا أذكر. ولقد أضاف إلى مكرمته هذه مكرمة أخرى عندما طُلب منه أن يقول كلمة باسم الفائزين؛ لأنه أكبرهم سنا ومقاما، ولكنه أبى إلا أن يتنازل عن هذا الشرف لتلميذه الذي هو أنا. رحمه الله رحمة واسعة؛ فقد كان أحد الكبار الذين تعلمت منهم الكثير في النقل، وورثت عنهم أنبل ما أنطوى عليه من قيم.