منذ أن حرصت الدولة على إفساح المجال للقطاع الخاص للمشاركة بقوة في تقديم الخدمات الأساسية في المجتمع، كالتعليم والصحة والخدمات الأمنية، وغيرها برز التحدي الكبير لهذا القطاع ورموزه في كيفية التوفيق بين طرفي المعادلة الخاصة، بين الإيمان بتقديم تلك الخدمات كرسالة وإسهام مجتمعي مطلوب، وبين الجانب الربحي فيها، وهو لب الموضوع بالنسبة للكثيرين في القطاع الخاص، ممن لا ينظرون إلا لهذا الجانب. وتابعت خلال الأيام القليلة الماضية نموذجاً لحالة صارخة لتلك الإشكالية، تمثلت بقيام مدرسة خاصة في دبي تابعة لمجموعة تعليمية كبيرة بإغلاق أبوابها أمام طلابها وفي توقيت خاطئ، بحجة أن الرسوم التي تتقاضها لم تعد تفي بمتطلبات استمرارية التشغيل. وبعد جولات من المفاوضات بين إدارة المدرسة وأولياء الأمور من جهة وهيئة المعرفة من الجهة الأخرى، ظهرت تلميحات بإمكانية إعادة فتح المدرسة، ولكن بإعادة النظر بصورة جذرية في الرسوم المدرسية. أي أن المسألة منذ البداية كانت تتعلق بالجانب المالي، ولم يوضع في الاعتبار مصير عشرات الطلاب من مختلف الجنسيات، الذين وجدوا مستقبلهم الدراسي محل مساومة من قبل تلك المجموعة التعليمية “العالمية” الضخمة.
وهنا نحيي الدور الذي قامت به هيئة المعرفة في دبي، والطريقة الشفافة التي تعاملت بها في نشر تقريرها الخاص بالتعليم الخاص، والذي أثر في قناعات الكثير من أولياء الأمور. وكشفت من خلاله أن التعليم الجيد لا يرتبط بالضرورة بالرسوم الدراسية المرتفعة، فقد كشف تقييم الهيئة لأولياء الأمور أن بعض تلك المدارس التي يضعون فلذات أكبادهم فيها، لا تستحق ما يدفع لها من رسوم دراسية مبالغ فيها. إلى جانب ما تتفنن في طلبه على مدى العام الدراسي من متطلبات أصبحت عبئاً حقيقياً على أولياء الأمور. وتختتم تلك الأعباء بإقامة حفلات تخرج في فنادق خمس نجوم وعلى حساب الطلاب وأولياء أمورهم، مع أن مسرح المدرسة (أو قاعة الأنشطة) قد يؤدي الغرض المطلوب، ولكنها نزعات الاستعراض التي تغرس في نفوس هؤلاء الصغار منذ مراحل عمرية مبكرة.
وزارة التربية والتعليم والمناطق والمجالس التعليمية معنية في المقام الأول بالتصدي للذين لم يقدروا حتى الآن حق التقدير الفرصة التي أتاحتها لهم الدولة، بمشاركتها الإسهام في تقديم تلك الخدمات الأساسية والحيوية للمواطنين والمقيمين على حد سواء، فقضايا التعليم وخدمات الرعاية الصحية والطبية، يفترض أن تكون من البداية واضحة المعايير بحيث يتم على أساسها قبول “الشركاء الاستراتيجيين” فيها. كما أصبح يطلق على الشركات والمؤسسات الخاصة العاملة في هذه المجالات الحيوية. وإلا كيف نفسر تصرف تلك المجموعة العالمية التي خذلتها البوصلة، ولم تعد تفرق بين المطلوب منها كرسالة ومسؤولية، وما تعتبره هي مشروعاً تجارياً بحتاً!. الربح المشروع حق للجميع، ولكن ليس بهذه الطريقة التي قامت بها هذه المجموعة وغيرها من الجهات التي لا تتورع عن تهديد المستقبل الدراسي للمئات من الطلاب، لمجرد أن حسابات الأرباح لم توافق توقعات أصحاب المشروع. نتمنى أن تكون هذه الواقعة فرصة لهيئة المعرفة وغيرها من دوائر الترخيص، للمراجعة وتحديد من هو جدير بحمل أمانة المشاركة والمسؤولية.


ali.alamodi@admedia.ae