صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

موعد مع شبح «1-3»

أطبقت أجفاني وأغمضتها نصف إغماضة؛ كنت أبحث عن الوضع الذي أريد اتخاذه لمقابلته، رسمتُ ابتسامة غامضة فيها كبرياء وفيها سخرية وفيها مع ذلك عطاء خفي، وخيل إليّ أن المرآة مغبرة فمسحتها بمنديل من الورق، وعدتُ أنظر مرة أخرى إلى وجهي من خلال أهدابي المغمضة نصف إغماضة ورفّت جفوني في سحر فتان؛ تناولتُ زجاجة العطر وتعطرت.. وتسمر إصبعي على مضخة العطر، وبحلقت بقوة وبانفتاح حدقة مخيف في المرآة؛ ولم أعد أرى شيئاً إلا داخلي، إلا أعماقي، رحت أنبش فيها عن صدى لما أقوم به، لما أنوي القيام به. حين قبلتُ دعوته.. وابتسمت بإغراء وشكر وقررت الذهاب. سأكون معه حيث يريد في زاوية يختارها.. لماذا؟... وعدت أحاول الضغط على مضخة العطر. وانتابني شعور لذيذ ناعم، ثم اختفى سريعاً..لم لا.. ما أهمية ذلك؟ ..والتوت شفتيّ بابتسامة حانية، ارتسمت على صفحة المرآة. إنها ملكي وأعطي برضاي. لم أعد قادرة على إسبال جفني في نصف إغماضة، بقيت مفتوحتين مشدودتين على اتساعهما؛ عبثاً حاولت إضفاء النعومة والرقة على ملامحي، فقد بقيت جامدة لا تتحرك؛ عبثاً حاولت مداعبة مشاعري وإثارة خيالي، لقد بقي متخلياً عني مجرداً كل عضو منه، وانتابني غضب، انتابني جموح.. لماذا؟ أين هي مشاعري ؟ لماذا لا تشاركني في أفراحي؟ ألست سعيدة؟ ألم ألبِ دعوة للعشاء؟ ألن أذهب مع ( ... ) وأجلس في ركن يعبق بالموسيقى ورائحة الليل الهادئ؟ ألن تداعبني كلمات رقيقة ناعمة يهمس بها في أذني؟.. ولمست أذني، وخيل إليّ أنها جامدة كالصخر، وفركتها بقوة حتى احمرت شحمتها، وأحسست بالألم. إنها ليست حجراً إذن، وخيل إليّ أنها بحاجة إلى أقراط لعلها ترتعش من وقع الكلمات الناعسة.. لعلها أن تعبر عن نشوتي، وعدت أبحلق في المرآة ويدي ترفع الأقراط لألصقها بأذني، وهززت رأسي فاهتزت الأقراط.. لقد انتصرت..إنها تتحرك.. إن شيئاً ما يتحرك فيّ. لعل حسي إذ فارقني يتلبس أشيائي.. لعل.. وبحثت عن الجواب فلم أر إلا مقلتي جامدتين مسمرتين على صفحة المرآة. وجمدت حركاتي. ورحت أتفرس في كل حركة اتخذها شكلي، يدي لم تزل ممسكة بقرطي الأيسر ويدي الأخرى مفردة أصابعها على الطاولة أمامي، وعيني ووجهي متخذان هيئة جامدة. هدبي لا ترفّ.. رفعت نفسي بشكل مستقيم جاد. تحركت قدماي ويدي ما زالت ممسكة بقرطي؛ كنت أريد أن أجد رابطاً بيني وأقراطي. كنت أريد أن أحس بها. هززت رأسي بقوة. كنت أريد أن أنفي جمودي، أن استرجع حسي.. فابتسمتُ وتغاضيت عن كونها صفراء باهتة. ولم يعجبني شكل أسناني فأرخيت شفتي لتغطيها واحتفظت بابتسامة غامضة، لا تعني شيئاً.. وبدت لي فعلاً غامضة وحاولت أن أفسرها فلم أجد معنى، وداعبني شعور بالسخرية، لن يفهم منها شيئاً لأني لا أعني بها شيئاً، لكنه سيعتقد أنها تخفي شيئاً وستدفع فضوله للاستيقاظ! hamdahkhamis@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء