صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

هكذا يُراد للديموقراطية أن تكون؟!

عندما تصبح الديموقراطية سكيناً حادة، يُشرَّح بها الجسد الواحد إلى مقاطع ومفاصل وفواصل، وتصير الأفكار الديموقراطية منابت لمضارب ومخالب، ومثالب، وعواقب، تحول الوطن، إلى قبائل وطرائق قدد، وعندما تتفجر الضغائن وتصير كرات من نار تتدحرج، وتتعرج، وتتوهج إلى درجة تصبح ممنوعة اللمس، تمضي بلا حس باتجاه الغربلة والزلزلة والخلخلة، عندما يصير كل ذلك بسبب المفاهيم المقلوبة والنفوس المغلوبة، والعقول التي تشط وتحط وتغط في أتون نوازع وأمراض نفسية مبعثها البحث عن مكان في اللا مكان.
الكويت التي تخرجت في مدرسة الرأي والرأي الآخر، تجنح باتجاه مسارات أجهضت الحوارات البنّاءة، وصارت الأيدي الغليظة أكبر حجماً من الأفكار، والألسن أطول حالاً من سعة البال، ما جعل المخزون الثقافي القديم قدم الأرض والسماء، يخرج ليُعلن عن نفسه متحدثاً باسم قديمه المتجدد، ولأن الكويت المدرسة المتمرسة في الشأن الحواري، ولأن الكويت الجامعة التي أخرجت أفكاراً نيِّرة في السياسة والفن والثقافة والرياضة، فإن المرء يشعر بالأسى والحزن عندما يرى الأفكار النيِّرة تحترق، والحميمية تفترق، والبغضاء تخترق نخاع العظم، والسفينة الحالمة بالحب قد تغرق في أي وقت إذا لم يتنبه الراشدون، العاشقون، لتراب الكويت الحبيب ولأهلها الأوفياء.. يشعر المرء بالانكسار إزاء هذا التدفق الخطير للعدوانية، وتكسير العظام، والمرحلة لا تحتمل كل هذا الانتحاء، فيكفي أن يلتفت الكويتي الغيور على بلده يمنة ويسرة ليرى عدد المتربصين، والمتلصصين، والمتهيئين للانقضاض على أي فريسة عربية تقع في الطريق والذرائع جاهزة.. والحجج مُعدّة سلفاً، والكل من حولنا يغني على ليلاه، ويكفينا حسرة أن ليلى في العراق والشام وشمال أفريقيا مريضة وتُداوى بالأمنيات، ولم تزل تعاني وتعاني.. يشعر المرء بالقلق على كويتنا الحبيبة، وهي تنهش بأنياب صفراء ومخالب ملوثة بمآرب، لا يعلم سرها إلا الله.. يشعر المرء بحالة من عدم التوازن عندما ترتفع أصوات قبلية ومللية وطائفية، في بلد لا يحتمل غير الحب ولا تتسع رقعته الاجتماعية غير الألفة والتكاتف لدحض الافتراء، ورفض الادعاء ومقت كل ما يُعكر صفو اللُّحمة الواحدة، ويثير أهواءً وأنواءً وأدواءً.. يشعر المرء بالمرارة، عندما يرى هذا المشهد الحزين يلف لفيفه تجاه بلد خيره عمّ القاصي والداني، وصار في زمن مثلاً للرقي الحضاري، ونموذجاً للتعاطي مع الأحداث المحيطة والبعيدة..
والكويت قلعة ثقافية رائعة لا ينبغي المساس بها أو تركها نهباً للأفكار الضالة، والعقليات التي لا ترى أبعد من أخمص القدم، وأصحاب النزعات والأجندات بالغة السواد، عابثة في الرماد، مستفرغة ما في الصدر والتاريخ من حداد.. الكويت الحبيبة نتمنى أن يكون ما تمر به مجرد سحابة تأتي بالمطر وتذهب عنها الخطر.. حمى الله الكويت وأهلها، من المدعين والمتسلقين.


marafea@emi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء