صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الغضب الحكيم

في أحيان كثيرة تتراكم على الأفراد كما على الشعوب طبقات من الخوف الذي من علاماته السكوت والخنوع والمشي برؤوس منحنية في طوابير الذل والفقر والانسحاق إلى درجة العدم. والخوف يولد بدوره الغضب الداخلي الدفين وأحياناً الحنق المتجذر الذي قد يؤدي الى الموت والشلل الفكري والروحي. ومع استمرار الخوف تموت لدى الشعوب حالات الروعة وتذبل زهرة الجمال التي يرويها ماء الإبداع الأصيل. وأول علامات المرض في الشعوب الخائفة هو انحلال الفنون وترديها وعقم الخطاب الثقافي وانحسار النقد الذاتي وغياب ملامح الذات حيث يرى الإنسان نفسه طيفاً متلاشياً في المرايا الناصعة. لكن الخوف لا يدوم طالما ظلت جمرة الإبداع والرغبة في التحرر منه متقدة في الأعماق، وهذه الجمرة قد تشتعل من جديد بأشكال كثيرة أولها انفجار الغضب المتراكم مثل البركان الذي قد يحرق الأخضر واليابس في اندلاعه الأعمى والاعتباطي، وهذا الغضب قد يقود الفرد الى الانتحار أو اغراق من حوله بلا حسبان للعواقب. وهناك أيضاً الغضب الحكيم الذي يدرك أن التخلص من الخوف يكون بمواجهته والاعتراف به والاصرار على إزالته بطريقة لا تخلف أثراً سيئاً. والشعوب الحكيمة هي التي تختار أن تتعامل مع انفجار الغضب فيها بروية واتزان. وهي التي لا تسمح أن يجرها الغضب المتدفق في العروق الى الانزلاق في ردات فعل غير محسوبة فتراها تتريث وتترقب وتبدي المرونة والصبر الى أن تواتيها الفرصة للتخلص من أحمالها الثقيلة. وهذه الشعوب هي الجديرة بأن ترفع مشعل التحرر بكل فخر لأنها تكون قد أزالت الأسباب من جذورها وعرفت كيف تستثمر طاقة الخوف وتجعلها طاقة أمل وابتهاج بالحياة الآن ومستقبلا. والخوف هو العدو الأول للناس. وما أن نبدأ الحياة حتى يهاجمنا بعنف في الأقوال الخائفة من حولنا. في النواهي والأوامر أولا. ثم في الترهيب والترغيب، وقد يصبح حالة ذعر عامة تسيطر على ملايين البشر مثل غيمة رمادية كبيرة تحجب النور والشمس وتبث الرعب في القلوب. هكذا يكبر الخوف وهكذا يظل يتغلغل في عروق التفكير ويصير عائقاً للإرادة والرغبة الحرة التي تولد في جينات البشر. ولا سبيل الى انقشاع الخوف والظلام الى الأبد سوى حمل مشاعل النور والصدق والوضوح وجعلها تسري بحرية في كلامنا وأفعالنا ونوايانا. وإن حصل هذا فإن الشعوب ستتخلص نهائياً من عبوديتها للخوف. وعندها ستعود الأغاني الرائعة المبدعة تصدح في فضاء الناس وسيجد العقل طريقه الحقيقي للاكتشاف والتجريب وستبدأ القلوب بالتعرف إلى الحب الحقيقي لأن الغشاوة تكون قد أزيلت من أمام العين والحواجز قد ازيحت من الدروب. والشعوب كما البشر أنواع ومعادن. والمعدن الأصيل هو الذي لا يتغير لونه ولا جوهره. ومهما تراكم عليه الغبار تراه يعود ناصعاً من جديد ومعه تتجدد معاني الحياة. عادل خزام akhozam@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

مسرح الفراغ

قبل أسبوع

النقد الجريح

قبل أسبوعين

الثقافة المستدامة

قبل 3 أسابيع

نغمة شاردة

قبل شهر

شلال كلمات

قبل شهر

فيروز مريم

قبل شهر

وطن التجديد

قبل شهر
كتاب وآراء