صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

استراحة الجمعة

الشحاذون في الدنيا كثر·· منهم من يطرق باب بيتك، ومنهم من يحادثك من هاتفه النقال، ومنهم من يتسلل إلى المكاتب، والبعض الآخر يستغل اللحظة الإيمانية التي تنتابك بعد كل صلاة، ليجلس عند باب المسجد فارشاً منديله أو صرته! أخطرهم أولئك الذين يطرقون أبواب البيوت، وخاصة في الفترة الصباحية، مستغلين غياب الرجال وطيبة ربة البيت، وترحيبها العفوي بهم، بعضهم لصوص والبعض الآخر متنكر في ثياب امرأة! فالشحاذون فئات ودرجات: فئة ترتدي الزي الوطني، تتحدث بلهجة الجزيرة العربية، تقود سيارات ذات الدفع بالعجلات الأربع! هؤلاء لديهم قضية واحدة موحدة: شخص من قبيلة أولى قتل ابن عم له من قبيلة ثانية، فقامت قبيلة ثالثة بقتل اثنين آخرين من قبيلة رابعة! والمطلوب المساهمة في دفع الدية، ودفع البلاء عن المسلمين، يحملون تواقيع قضاة من عهد قريش، لتدفع لهم ولا تعرف من قتل من؟ ولا لأي أسباب· وهناك فئة نسائية ترتدي العباءة السوداء، ذوات وجوه مليحة، يشعرنك أنهن مرضعات لأيتام وعليك أن تدفع ثمن تغذيتهن أو أخريات تراهن مثقلات بالذهب، أكثر من ذهب زوجتك، ويطلبن حسنة· مرة أتتني امرأة سمينة تلبس (فرساتشي) تدعي أنها طبيبة جديدة لم تعين بعد، لم أقتنع كثيراً أنها طبيبة، لا الحديث حديث ينم عن تحصيل سبع سنوات، ولا الجسم ينم عن اعتناء بانتقاء الأكل الخالي من الدهون، والكاربوهيدرات والنشويات، شكلها شغل مطابخ بصراحة أو آكل مع العميان! وهناك فئة من الرجال الملتحين حين يقابلك الواحد منهم ويحادثك تكاد لا تسمع صوته من الإيمان، متعطر بعطور كأنها لكفن، لا لبني آدم، الأخ المؤمن يريد بناء مسجد في بورما أو قرية بنجلاديشية أو مدرسة للأطفال المسلمين في أفريقيا ويريك خمس أوراق ملأى بأختام الوزارات المختلفة· هناك شحاذون ظرفاء يصدقونك القول لا يريدون أكثر من حاجتهم، يريدون بطاقة سفر إلى شرق آسيا أو مبلغاً يتدبر به سهرة رأس السنة وآخر يحب المطربة نجوى كرم! وأنت من أهل الجود والكرم· أغرب شحاذ رأيته في باريس وهو أعمى، كان لا يطلب فلوساً بالمعنى الحقيقي، فقط كتب عبارة على كرتونة صغيرة يطلب فيها رؤية الربيع هذه السنة· ومرة في بيروت كنت وصديق صحفي، مثقف، نمشي على البحر فصادفتنا ''طلاّبة'' كانت تصر على أن نعطيها شيئاً! غضب صديقي المثقف وقال لها عبارة صغيرة: يا أختي هذه طريقة غير حضارية وتسيء للبلد فانهالت عليه الشحاذة: أعرفكم أنتم فقط الذين تريدون أن تأكلوا هؤلاء الخليجيين، ألم تكفيكم آلاف الدولارات، مستبخلين علينا كم دولار· فأسقط في يد صاحبي ودخل معها في حوار طويل خلاصته أنه ليس مقاولاً بل هو صحفي، فردت عليه: كلكم واحد ما تصدقون أن أحداً يأتي من الخليج· أحد أصدقائي الفالتين كان مرة يمشي مع واحدة ظروفها صعبة للغاية فلقيتهم ''طلاّبة'' غجرية، فبدأت تتسول وتتوسل إليه أن يعطيها مما أعطاه الله وأخذت في الدعاء له وللمرأة التي تمشي معه، وأن الله يجعلها من نصيبه ويرزقه منها بالذرية الصالحة وتعمّر له بيته، طبعاً صديقنا تضايق جداً وأحرج حد التعرق، ولم يعطها شيئاً، فقط تلك المرأة التي أطربها الدعاء، فتحت شنطتها الأنيقة وأعطتها عملة صعبة· مرة حاولت أن أتسول في باريس ولكن من باب المزاح، كنت أرتدي زياً للسهرة وإحدى الزميلات مرتدية زياً ''سواريه'' فطلبنا من الراكبين معنا في قاطرة المترو أن يساعدونا بما يستطيعون لأننا عرسان جدد ولا نملك إلا هذه الأزياء الغالية للسهرة، فضجت تلك القاطرة بالضحك الهستيري، وحدهم العجائز الفرنسيون والفرنسيات كانوا يكيلون لنا السباب والشتائم، ضحكنا وودعناهم بكلمة ''مرسي''!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء