صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الرحمة

لكي تذهب في زيارة إلى الإمارات الشمالية، فيجب أن تفكر وتتدبر وتتبصر، قبل أن تحزم حقائبك، وتشد الرحال إلى المضارب البعيدة، فهناك وفي الطريق ستلاحقك لعنة تسوط ظهرك بسياط تدمي القلوب، وتفجر الدماء في الرأس، لعنة الزحام والطوابير التي صارت كأسنان الجبال الوعرة، فالأفق مقلق، والمدى محفوف بسلسلة من الحديد ذات البأس الشديد، ورائحة عوادم تفتك بالروح وتبدد الحواس الخمس وضجيج محركات (تحن وتزن) وكأنك في حالة فيضان صوتي مجلجل ومزلزل، يسوم كل هذا الصفاء الصحراوي والمناظر الخلابة في البلاد أسوأ العذابات وأشدها تنكيلاً، تشعر وأنت بين هذه الصفوف المتراصة كأسير غللت يداه وصفدت قدماه، ووقف هكذا بلا حول ولا قوة ينظر إلى الوجوه فلا يجد غير الإحباط والعبوس، في النفوس والقنوط يطوق مشاعر السائقين الذين سهموا منتظرين فرج الانطلاق، ولا طلاق من سطوة التراكم الحديدي على الأسفلت، والذي يصطحب أطفالاً فهذا طامته أكبر وخيباته أكثر، فالأطفال لا يطيقون الصمت ولا الجلوس بدون حركة، والوقوف في الشارع لعدة ساعات أمر يثير حفيظتهم ويقلق راحتهم، ويبعث الملل في نفوسهم، فلا يوجد غير الصياح والاشتباكات اليدوية وأحياناً بسلاح الأسنان الصغيرة التي تبدو الوسيلة والحيلة للتعبير عن الضجر والسأم من السجن الإجباري في الشارع· فشارع الإمارات الذي حسبه الناس فسحة الأمل للخروج من صهد المدن صار رمضاء لجأ إليها الناس هرباً من نار الشوارع المختنقة في المدن، شارع الإمارات لم يعد يؤدي غرضاً ولا مهمة بل إنه في حالة طوارئ دائمة وتدفق مفزع لشاحنات، تهور أصحابها ومادت رؤوسهم، صاروا أشبه بالوحوش الضارية ينحرفون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون سابق إنذار ولا ضرر لديهم إن دهسوا أو عجنوا سيارة صغيرة تمر بجانبهم لأنهم يتذرعون بالزحام· فمن يلوم الطرف الأضعف، الزحام أم اللئام الذين لا تردعهم رادارات ولا إشارات ولا مخالفات، من يلوم الطرف الأضعف والشارع أصبح يغلي كما القدور المجلودة بالنار الحامية، ففي الطريق من دبي إلى الشارقة بعض الإشارات لا تكفي بل تحتاج إلى رجال الشرطة الذين يقدرون المنافذ والمخارج فيسهلون على جهة ويخففون على أخرى، بعض الإشارات لا تفي النظام المروري حقه، لذلك فالتدخل أمر ضروري ليحمي الناس من الزحام ومن الحوادث التي تنتج عن هذا التدفق اللامعقول، فهناك جسور وهناك منشآت تجسد الرغبة في فك وثاق هذا الاختناق، لكن كل هذا لا يكفي، فالأمور وصلت إلى ذروة تطويق الأعناق والأحداق، فيجب التدخل والأنفاق الصغيرة والجسور هي الحل، والبديل للميادين التي أصبحت غارقة في بحر من الكتل الحديدية والإشارات قد تنفع داخل المدينة، أما الشوارع السريعة والتي تربط بين إمارات الدولة فينبغي أن تكون مفتوحة لا تحدها منعطفات ولا انحرافات، ولا مداخل تعيق وتضيق بالناس ولا ندخل إلى حيث يريدون· أقول بكل صراحة السبب الرئيسي في بعض الشوارع للحوادث هو هذا الزحام اللعين الذي يحقن أدواء الضيق في صدور بعض السائقين ما يجعلهم ينطلقون كالصواريخ عند أول فسحة سانحة·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء