يتباهى الناس بأخطائهم، ويمارون، ويبارون الآخرين بما يقومون به من أفعال مشينة، ويرفعون الأعلام البراقة لكل سلوك خاطئ، ويكسبونه ألواناً زاهية ويطوقونه بسلاسل ذهبية تشخص له الأبصار، وترتعد الفرائص، وترتجف الأفئدة.
يتماهى الناس مع النجوم، كلما دأبوا على ارتكاب فعل ما سيئ، ويعتبرونه انتصاراً على حقائق الحياة، ويصفقون، ويطبلون، ويعزفون الأناشيد، ويغردون على رؤوس الأغصان السامقة، وينادون بأصوات وئيدة، ويصخبون، ويصرخون ويسكبون الزلال على ما ينحزونه من طعام رديء، ويسخطون على كل ناشز ونافر، وشاذ عن هويتهم، وسجيتهم، وأسلوبهم، ووسيلتهم، في الحياة.
ويبتهج الناس بأخطائهم، وانحرافاتهم، عن جادة الصواب، ويعتبرون ذلك نجاحاً باهراً يستحق الإشادة، والإثابة، والتهليل، والتهويل، والتدليل، والتحليل.
يتفاخر الناس بما يكتبونه من تعبير سيئ على وريقات دروبهم الشائكة، ويمنحون تلك الأخطاء علامات الامتياز، والتفوق على الآخرين، لأن أولئك الآخرين عجزوا، أو تهاونوا، أو أنفوا أن يفعلوا ما فعلوه.
يتذمر المخطئون من الناس الذين لا ينحون منحاهم ويعتبرون ذلك تقاعساً، وتخاذلاً، وتنازلاً عن المواقف الصوابية، وتراجعاً عن الحقيقة وتخلفاً، وتزلفاً، وتأففاً، وتكلفاً، واستنكافاً، واستخفافاً، لأفعال لابد أن يتم فعلها وإلا خرج الإنسان عن دائرة الغريزة البشرية.
يتفادى المخطئون كل نقد بضحكات ملؤها السخرية، والنكات الصاخبة، ويتحاشون الوضوح، يغوصون في الحفر السوداء لكي لا تلمحهم العيون، ولا تلحظهم العقول، ويتلاشون في الظلمات سعياً وراء إخفاء الخطايا، ودس الرؤوس في أنفاق معتمة لا تُرى بالعين المجردة.
يتمادى المخطئون بالأخطاء، ويبالغون، ويساورون، ويساومون، ويقاومون، ويغامرون ويقامرون، ويقاومون أي مصد، أو حد، وينبعثون مثل الشرارات في كومة قش ويتفشون، في المحيط مثل الوباء، والبلاء، ويستمرئون السرد عما حدث، ويجدون المتعة في إصغاء الآخرين، ودهشتهم، وذهولهم، وشخوص أبصارهم، واحمرار وجناتهم.
كل ذلك يحصل، لأصحاب الأخطاء الكبيرة، لأنهم يجدون في ذلك إرضاء للأنا التي نمت في أوحال، وأدغال، وأهوال، ولا عيش لها إلا في المناطق الموغلة في الدس، والرجس، والبخس، والنبس الملوث بالرزايا، والنوايا السيئة.
الأنا لدى أصحاب الأخطاء الكبيرة، مثل الخنفساء، لا تنمو أقدامها، إلا في الأماكن الرثة، ولا تتنفس إلا في رائحة الروث.