صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

في مديح النون والقلم وما يسطرون!

كعادة كل عام ننتظره منذ سنوات طوال، نفرح به كما تفرح به عاصمتنا، ويفرح به المتلاقون من جهاتهم المختلفة، كعادة كل عام، وإن اختلف المكان، وتبدل الحال، وكبرت الأشياء، يطل معرض أبوظبي الدولي للكتاب فارضاً طقوسه، ومتع تباشيره على النفوس، فيه ستتراءى لك وجوهاً غابت منذ عام، وستأتي اليوم هنا، وجوهاً تشتاق لها، وربما رأيتها في معارض أخرى في مدن أخرى، وستحضر اليوم هنا، وجوه إن رأيتها اليوم هنا، ستفتح لك أفقاً قادماً معها، وربما أرشدتك لما وشوشته الريح لنافذة تخصها تطل على بحرها الأزرق، وربما كانت حقيبتها تخبئ لك كتاباً جديداً أو قديماً تذكّرك به صديق جميل، قد تفرحك وجوه أخرى لأنها تهادي كتابها، وثمة توقيع على صفحته الأولى عالياً قد يسر نفسك، ويفرحها وقد يطير بها! ميزة معارض الكتاب، وأجملها معرض أبوظبي، أنها تكون مثل عرس احتفائي بالحرف والقلم والوراقين وما يسطرون، يتوافدون في مكان صحي، ونظيف بيئياً إلا من نميمة ثقافية أو حسد أدبي أو ثرثرة خارجة عن “التابو” أو تعليقات على جنون الكتّاب والشعراء وما يفعلون، أخبار يتداولها المثقفون الحاضرون، عن الأوطان، عن شرف المهنة، عن الأحلام، عن تبدل الحال، لكنها ليست في واقع الحال، إنما هي في رؤوسهم فقط ودائماً، ويتمنونها أن تحدث اليوم أو تكون غداً صحيحة، لأنهم يعتقدون أنها كل الخير! لقد عاصرت معرض أبوظبي للكتاب منذ النشأة، وكان ناجحاً، لكنه اليوم مختلف، وذاهب باتجاه المعارض العصرية وطريقتها الحديثة، وربما بعد سنوات لن يستطيع أحد أن يشتري كتاباً، ويدفع ثمنه نقداً ويخرج متأبطاً معرفة، علينا أن نفهم وقتها، ونعي ساعتها أنها متطلبات الزمن الجديد، وقيود النشر، والملكية، وأنه ما عاد كل شيء متاحاً ومشاعاً، قد تفرض العولمة أدلجتها وتلغي دور النشر المؤدلجة وبضاعتها شبه الفاسدة، ستختفي بلا شك تلك الأشرطة التسجيلية الصادحة بهذيانات ما في المدافن وسحر القبور ووقائع الدينونة الكبرى، وبراويز النصوص التي تكبل الإنسان، وتعطل الحياة، وتحض على إبادة الآخر، بالتأكيد سيختفي ذاك البائع المتدهن بالحنوط، وينظر لك بعين عوراء وحيدة مطموسة إلى الداخل، لا يعرف البسمة، ولا تعرف من أين يمكن أن تدخل عليه بالبسملة، وبصباح الخير! معرض أبوظبي للكتاب.. فرحة كل عام.. وانتظار كل عام، نتمناه اليوم أن يكون مغايراً ومدهشاً، وتقليداً تسير عليه الأجيال صغيرها وكبيرها، طمعاً في المعرفة، وإدراك سر النون والقلم وما يسطرون

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء