لا أعرف كيف تقبل مؤسسة تربوية، أو منطقة تعليمية، أو حتى وزارة التربية والتعليم وجود هذا الصبي على الكوفي شوب حتى الواحدة صباحاً، وهو يمسك بالميكروفون ويغني ويطرب الحضور، وبعد وصلة الطرب يقولون له: ما قصرت يلله سر إلى مدرستك·
وبداية لسنا ضد الغناء والطرب، ولكن هناك أصولاً وأعرافاً تربوية ينبغي الحفاظ عليها وعدم تجاهلها لأن تجاهل هذه الأصول من شأنه أن يفاقم الأمر ويحوله فيما بعد الى ظاهرة، ففي هذا الكوفي شوب الذي يبث فيه الشباب والصبية أغانيهم وهم يخطون نحو ألف باء عالم الفن، يوجد هذا الصبي الذي يسهر الليل مع الربع على الهواء مباشرة ويطارح المشاهدين الغناء والشعر حتى ساعات الفجر الأولى·
وإذا كنا نقدر المواهب ونقدر موهبة هذا الصبي بالذات فإن الأمر يجب ألا ينسينا ذلك البعد التربوي في القضية الأكثر خطورة وهي هيبة المدرسة وقداسة التعليم، إذ لا يمكن لعاقل أن ينكر الآثار السلبية المترتبة على وجود صبي كهذا حتى الواحدة صباحاً وهو يتابع حواراته مع المشاهدين والمشاهدات ثم يستودعهم الله في الواحدة صباحاً حتى يتمكن من اللحاق بموعد المدرسة في الصباح·
ومع آهات المعجبين والمعجبات يودع هذا الطالب الربع على الكوفي شوب الفضائي والذين لا ينسى بعضهم أن يحذره من خطورة الطريق في ساعات الصباح الأولى من دبي الى بني ياس، ولا ينسون أيضاً توصيته بضرورة الاهتمام بالمذاكرة·
ونتعجب من المذاكرة، وأي مذاكرة يقوم بها صبي يسهر حتى الواحدة صباحاً على الهواء، ثم يقطع الطريق من دبي الى بني ياس في ساعة أو ساعتين، أي أنه لا يصل البيت قبل الثالثة صباحاً· وبحسبة بسيطة نشك في أن هذا الصبي يتمكن من اللحاق بالمدرسة في موعدها الذي يبدأ في السابعة والنصف صباحاً·
حتى لو تمكن هذا الصبي من اللحاق بالمدرسة فمن أين له بالذهن الصافي بعد كل هذا السهر، ومن أين له بالذهن الصافي الذي يساعده في فهم الدروس واستيعابها، وما هو موقف أقرانه الذين يسهرون الليل أيضاً يبثون رسائلهم له عبر الشات الفضائي·
ومع هذه القضية التربوية في المقام الأول نطرح عدداً من التساؤلات حول دور الأسرة،، وكذلك حول متابعة المدرسة لهذا الطالب وغيره من الطلبة ومدى التزامهم بالعملية التربوية التعليمية، ونتساءل حول الإبهار الإعلامي الذي يقدم في سياقه هذا الصبي باعتباره بطلاً، وما المردود السلبي على أقرانه عندما يجدون نموذج البطل في الكوفي شوب هو الأبرز والأكثر شعبية وتميزاً في المجتمع فيفرون من مدارسهم الكئيبة الى رحاب الكوفي شوب الفضائي الذي يتعهد بصناعة النجوم·
بل الأخطر: هو ماذا لو حمل بقية الصبية أنفسهم ودخلوا الكوفي شوب طمعاً في الحصول على جرعة من هذا الإبهار الإعلامي، وذلك قياسا على ما وصل إليه زميلهم في رحلته المباركة الى هذا الكوفي شوب الذي يطلق النجوم في عنان السماء ولكن بشرط أن يكون هذا الإطلاق مع ساعات الفجر الأولى·