صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

عربة ثقيلة اسمها الحزن... في الشارع·· قرب تقاطع المطار القديم، يقف أربعة من بائعي الصحف، أحدهم الطويل، النحيل، يحضر لي كل الصحف والمجلات التي تحمل مقالاتي أو مقابلاتي من غير أن أطلب منه، دائماً أشتري منه النسخ ولو كانت معي، أحياناً يفاجئني بوجود صورتي في إحدى المجلات، أحياناً ينبهني إلى مقال كتبته ونسيته أو مقابلة أجريتها منذ وقت، حين أقف عند إشارات المرور، يأتيني ويحدثني بكلمات ولو كانت بسيطة أو سريعة، لكنني أتفاءل به كثيراً، هو لا يجيد القراءة أو اللغة العربية إلا القليل، لكنه يملك هواية خاصة هي تقليب أي مطبوع يصل يديه! أحياناً يعجب بالصور وكثيراً ما يحاول أن يتهجى الحروف العربية، حين غبت عن أبو ظبي لمدة ثلاثة شهور ويزيد، مررت عليه في أول يوم وصولي متجهاً إلى العين، لقد كانت دهشتي كبيرة حينما رأيت الفرح يرقص في عينيه، سلم عليّ بحرارة، لقد خنقتني العبرة وغالبت دمعاً احتبس في المحاجر، لقد طلب مني أن أمر عليه غداً مستغرباً غيابي الطويل، لأنه تعود أن يراني صباح كل يوم، في الساعة الثامنة صباحاً تقريباً، وفي اليوم التالي فاجأني بكمية مجلات وصحف تعود تواريخها لأشهر الغياب الثلاثة، لقد أعطاني إياها رافضاً أن يأخذ درهماً عنها·· طالباً مني ألاّ أغيب طويلاً·
؟ مقطع من مقال منشور في أبريل/ 1994
- إلى أن يستقر عبد الرحيم عند تقاطع الشوارع الأربعة، تكون الشمس قد أبانت بعضاً من ملامحه·· نحيف، شديد السمرة كريشة غراب·· يغطي نصفه بنطاله الأخضر وقميص كان شديد الزرقة بالأمس·· لن تلبث أجيابه السفلى أن تتهدل من ثقل الدراهم المعدنية، سيبدأ من الآن تحريك الرأس وتدوير العينين، سيهادن كل الاتجاهات·· عليه أن يترك الساحة حين تقفر الشوارع، مثلما عليه أن يسبق عبور أول سيارة، منادياً بلكنته: اتهاد·· كليج·· بيان·
جمود عين تلتمع·· فرملة·· صوت آلات تنبيه·· فرملة·· رائحة احتراق عجلات·· شمس معطشة·· وأطراف باردة·· تمزق صوت إنساني·· تناثر صحف·· أصوات آلات تنبيه·· مغلف رسالة·· علبة سيجارة شبه فارغة·· زنوبة خضراء مقلوبة على الإسفلت·· تناثر عملة معدنية·· عين زجاجية، ودراجة مسلسلة عند كافتيريا محيي الدين·· إشارة حمراء·· صفراء·· خضراء·· تجمهر·· حشرجة أنفاس·· وأسئلة وأجوبة تخرج من السيارات انهرس·· ذاب مع أخبار وأحبار الصحف، تفحم في لظى ظهيرتنا، اسفلتنا، عجلاتنا، يقال: إنه استقر بجسده الهزيل على عمود في الصحف التي كان يبيعها، طار رماداً في عين المدينة التي لم تحبه ولم يعرفها·
عيون تناظر بلا التفاتة·· شمس تظلل الرؤوس·· ومدينة تستفرغ السيارات الصباحية، لتستعد لغداء شرقي شهي·
إشارة حمراء·· صفراء·· خضراء·· حمراء·· حمراء·· حمراء·
؟ مقاطع من قصة نشرت في صيف 1989
- محيي الدين كوتي - صديقي الذي كان يخبئ لي الصحف- هذا اسمه، بائع صحف مهنته، في جريدة الاتحاد عمله، عاد إلى أبوظبي قبل أسبوع من إجازته، بعد أن قضى شهرين مع أهله، منذ أيام عند تقاطع شارع المطار مقر شغله، أعطاكم عمره، دهسته سيارة مسرعة·· ليلاقي حتفه·
؟ من حادثة حقيقية وقعت في شارع المطار يوم الإثنين 12 يناير 2004
- عربة ثقيلة اسمها الحزن·· هكذا يمكن أن تودع الإمارات بائعي الصحف في الشارع ا ليوم·· بعد خدمة استمرت ما يزيد على الثلاثين عاماً، كثير منهم تعرض لحوادث دهس وهو يؤدي عمله، كثيرون كانوا صغاراً واليوم تقدم بهم العمر، ولم يقووا على الوقوف في الشارع، عربة ثقيلة اسمها الحزن·· هكذا أودّع أصدقائي أصدقاء الحبر والورق·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء